+218 91 744 0500طرابلس – حي الأندلس
شعار حزب السلام والازدهارحزب السلام والازدهارإنقاذ الوطن وبناء الدولة

نحو إصلاح اقتصادي عميق ومستدام في ليبيا مقاربة بنيوية تستند إلى تشخيص واقعي وتتجنب الانفجار الاجتماعي

أحمد حمدي السويحلي 6 د قراءة5 مشاهدة

نحو إصلاح اقتصادي عميق ومستدام في ليبيا مقاربة بنيوية

تستند إلى تشخيص واقعي وتتجنب الانفجار الاجتماعي

تمهيد

السياق الليبي بين الدولة الريعية والشلل المؤسسي، تعيش ليبيا أزمة مركبة تتجاوز الحدود الاقتصادية إلى أزمة بنيوية في شكل الدولة ووظيفتها. لقد أسست عقود الريع النفطي لدولة تعتبر نفسها الموفر المباشر للمعيشة، وتكرس ثقافة اتكالية عمقتها الحروب والانقسامات السياسية، وأدت إلى شلل في مؤسسات الدولة، ونشوء مراكز نفوذ موازية.

في هذا السياق، لم تعد الحلول التقنية المجتزأة كافية، بل هناك حاجة ملحة إلى رؤية إصلاحية شاملة تتكامل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتُدار بوعي تدريجي متدرج يستوعب خصوصية المزاج الشعبي ومخاوفه.

أولاً: تشريح البنية الاقتصادية الليبية – خصائص ومفارقات

1. اقتصاد ريعي أحادي المصدر

يعتمد على النفط كمورد شبه وحيد للإيرادات، بينما تظل بقية القطاعات في حالة هامشية أو هامدة.

2. منظومة توزيع مشوهة

تقوم على قرابة لا على الكفاءة، حيث يتم امتصاص الريع عبر التوظيف الوهمي والدعم العشوائي.

3. سوق موازية مهيمنة

بات الاقتصاد غير الرسمي، بما فيه السوق السوداء للعملة والتهريب والاعتمادات المشبوهة، أقوى من الاقتصاد الرسمي.

4. طبقة مالية هجينة وفوق القانون

تشكلت خلال السنوات الماضية شبكة من رجال المال والأمن والسياسة تسيطر على مفاصل النقد والإعلام وتعيق الإصلاح البنيوي.

5. ضعف الأجهزة الاقتصادية

غياب قواعد البيانات، غموض في حسابات الدولة، شلل في مؤسسات الرقابة، وانفصال السياسات الاقتصادية عن الواقع الاجتماعي.

ثانياً: الإدراك الشعبي للإصلاح – الفجوة بين الخطاب والواقع

  • المواطن لا يرى في الدولة فاعلاً تنظيمياً، بل "ضامناً معيشياً".

  • أي إصلاح يُنظر إليه كتهديد مباشر للحقوق المكتسبة، لا كتصحيح لمسار اقتصادي.

  • يتعمق الشك الشعبي في أي مشروع إصلاح ما لم يبدأ من الأعلى ويُمسّ الفاسدين أولاً.

  • الحساسية الشعبية حادة تجاه أي مساس بالدعم أو المرتبات، ولو جزئياً.

ثالثاً: إعادة تعريف مفهوم الإصلاح

  • الإصلاح ليس "تقشفاً"، بل إعادة تنظيم لعلاقة الدولة بالمواطن وإدارة عوائد النفط.

  • لا يمكن الحديث عن إصلاح دون تجفيف منابع النهب والسيطرة الموازية على المال العام.

  • يتطلب الإصلاح إعادة هيكلة العقد الاجتماعي: من دولة توزع الريع إلى دولة تمكّن المواطن وتطلق الاقتصاد المنتج.

رابعاً: ركائز الإصلاح العادل والممكن

1. العدالة أولاً:

الإصلاح يجب أن يبدأ من الأعلى لا من قاعدة الفقراء. أي إجراء لا يطول الفاسدين أولاً يفقد المصداقية.

2. التدرج لا الصدمة:

تطبيق إصلاحات متدرجة، بمراحل واضحة، مصحوبة ببرامج حماية اجتماعية فورية.

3. الوضوح والشفافية:

كل إجراء يجب أن يكون مصحوباً بشرح مفصل بلغة الشعب: لماذا؟ من المستفيد؟ من المتضرر؟ وكم ستدوم المرحلة؟

4. تحصين شعبي ومؤسسي:

بناء تحالفات مجتمعية (نقابات، اتحادات، شباب، إعلام) ومؤسسية (قضاء، أجهزة رقابة) تضمن الحماية السياسية والاجتماعية للإصلاح.

تعزيز البعد التشريعي والتنظيمي للإصلاح

  • تحديد القوانين التي يجب تعديلها أو إصدارها (مثل: قانون الضرائب، قانون مكافحة الفساد، قانون الدعم، قانون الإفصاح المالي).

  • اقتراح آليات رقابية وتشريعية مرافقة لكل مرحلة من مراحل خارطة الطريق.

  • تضمين تصور أولي لإطار قانوني انتقالي يسند عملية الإصلاح ويمنحها حماية دستورية مرحلية.

دمج البعد الأمني

إن الإصلاح في ليبيا لا ينفصل عن البيئة الأمنية خاصة مع تغول تشكيلات المسلحة في النشاط التجاري وتراكم الثروات مما يستدعي إلى تسوية في سلاح.

ترسيخ الحكم المحلي بسلطة تشريعية وتنفيذية

لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي عادل ومستدام دون إصلاح في بنية الدولة نفسها، وأهم مرتكزاته هو الانتقال إلى نظام حكم محلي فعلي، يمتلك صلاحيات تشريعية وتنفيذية على المستوى المحلي.

فالمركزية التاريخية التي حكمت ليبيا لعقود كانت سبباً رئيسياً في تعميق التفاوت التنموي، وإضعاف الرقابة المجتمعية، وتكريس التبعية الاقتصادية للمركز.

إن تمكين المقاطعات من إعداد ميزانياتها، وتحصيل جزء من إيراداتها، وتشريع سياساتها المحلية في مجالات الخدمات والتنمية، سيساهم في:

  • تقليص الهدر والفساد الناتج عن التمركز.

  • تحفيز النمو المحلي المتوازن.

  • خلق فرص عمل في القطاعات الإنتاجية بالمناطق.

  • تعزيز ثقة المواطن بالدولة من خلال قربها منه وشفافية أدائها.

خامساً: خارطة طريق تنفيذية للإصلاح

المرحلة الأولى الشفافية وضبط النزيف

  • مراجعة كل الاعتمادات والتحويلات.

  • منصة شفافية رقمية لإظهار أين تذهب أموال الدولة.

  • تجميد أرصدة الشخصيات المشبوهة وفتح تحقيقات رسمية.

المرحلة الثانية الحماية الاجتماعية والتمكين

  • دعم نقدي مباشر للأسر ذات الدخل المحدود.

  • صندوق استقرار معيشي.

  • تمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة بتسهيلات.

المرحلة الثالثة إعادة هيكلة الموارد

  • ضبط منظومة الدعم تدريجياً دون رفع مفاجئ.

  • إعادة هيكلة الرواتب المرتفعة غير الإنتاجية.

  • فرض ضرائب استرجاعية على من راكم ثروات بغير وجه قانوني.

المرحلة الرابعة التحول إلى اقتصاد منتج

  • حوافز استثمارية في القطاعات البديلة (الطاقة، خدمات).

  • دمج الاقتصاد الموازي تدريجياً عبر التسهيل لا القمع.

  • إنشاء مؤسسات تمويل وطنية لرواد الأعمال.

  • مؤشرات قياس أداء (KPIs) لكل مرحلة.

  • جدول زمني مرفق بإطار تمويلي تقريبي.

  • أطراف مسؤولة وشركاء محتملون.

سادساً: تفكيك منظومة المال المتغولة دون تفجير اجتماعي

  • المواجهة لا تبدأ من الأشخاص، بل من تفكيك شبكات النفوذ (الاعتمادات، الإعلام، السوق السوداء).

  • استراتيجية "الكشف المرحلي": كشف الأدلة للرأي العام تدريجياً مع تحرك قضائي هادئ.

  • الاستفادة من الدعم الدولي لمكافحة الفساد واسترداد الأصول الخارجية.

  • اعتماد خطاب سياسي لا يستفز الناس بل يطمئنهم.

سابعاً: التحديات والمخاطر المحتملة ومسارات التحوط

رغم وجاهة المسار الإصلاحي وضرورته الوطنية، إلا أن تطبيقه لا يخلو من تحديات بنيوية ومخاطر سياسية واجتماعية ينبغي إدراكها مسبقاً والتحوط لها بذكاء ومرونة.

التحدي الأول يكمن في احتمال تعبئة الرأي العام بشكل سلبي من قبل وسائل إعلام موجهة أو مصالح نافذة متضررة من الإصلاح. وقد تلجأ هذه القوى إلى استثارة المخاوف الشعبية من خلال تصوير الإصلاح كحملة لتجويع الفقراء أو انتهاك حقوق المواطن. وهنا يبرز الدور المحوري للخطاب السياسي المتزن، القادر على طمأنة الناس وتوضيح أن الإصلاح يستهدف حماية المال العام لا سلب الحقوق.

التحدي الثاني يتمثل في مقاومة مؤسسات مترهلة أو مخترقة من شبكات النفوذ، والتي قد تعرقل تنفيذ السياسات الإصلاحية من داخل الدولة نفسها. هذه العقبة تفرض ضرورة إشراك أطراف نزيهة من داخل الجهاز الإداري، وتعزيز استقلالية الجهات الرقابية، وضمان إشراف سياسي عالي المستوى على عملية التنفيذ.

التحدي الثالث فهو تصاعد الصراع بين شبكات المصالح المتصارعة، حيث قد تسعى بعض الأطراف لاستخدام ورقة الإصلاح كأداة لتصفية حسابات سياسية أو إعادة رسم خارطة النفوذ الاقتصادي. ولتجنب هذا الانزلاق، ينبغي تحصين المسار الإصلاحي بوثيقة مرجعية وطنية تتجاوز الاستقطاب، وتبني توافقاً سيادياً على أولوية الإصلاح كخيار فوق كل الاصطفافات.

في المجمل، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب قيادة شجاعة، وإرادة سياسية صلبة، وتحالفات ذكية مع قوى الإصلاح الحقيقي داخل الدولة والمجتمع، مع اعتماد وتيرة متدرجة تحفظ التوازن وتمنع الانفجار الاجتماعي.

فلسفة الصدمة والتدرج مساران متكاملان لا متعارضين

في السياقات الانتقالية المعقدة، حيث تتقاطع ملامح الانهيار المؤسسي مع أزمات الاقتصاد والسياسة والثقة العامة، لا يمكن للإصلاح أن ينجح بالاعتماد على مقاربة أحادية. فالإصلاح العميق والفعال يستدعي توظيف سياستي الصدمة والتدرج بوصفهما مسارين تكميليين، لا متعارضين، لكل منهما مجاله ووظيفته وأدواته الخاصة.

الصدمة تُستخدم حين يكون الفساد متجذراً، والزمن لا يسمح بالتراخي. فهي أداة ضرورية لتفكيك شبكات الامتيازات غير المشروعة، وإيقاف النزيف الحاد في الموارد العامة، واستعادة هيبة الدولة عبر إجراءات حاسمة لا تقبل التأجيل. إنها ليست تهوراً، بل عملية جراحية مطلوبة حين تصبح البنية مهددة، وحين يتفوق الفساد على قدرة الدولة على الاستيعاب والإصلاح.

أما التدرج، فهو الأداة المثلى حين يتعلق الأمر بحقوق المواطنين ومعيشتهم اليومية، كالدعم والرواتب والخدمات الأساسية. في مثل هذه الملفات، لا يجوز للإصلاح أن يتحول إلى عبء على الفئات الهشة أو إلى محفز لانفجار اجتماعي. فالتغيير في هذه المجالات لا يُفرض، بل يُبنى بهدوء، عبر تهيئة نفسية واجتماعية، وتوفير شبكات أمان مرافقة، وضمان الشفافية والمشاركة في كل مرحلة.

في الحالة الليبية على وجه الخصوص، حيث تفكك الدولة وتآكل الثقة وتغول شبكات المصالح، يصبح الجمع بين الصدمة والتدرج ليس خياراً تقنياً، بل ضرورة سياسية ووطنية. صدمة موجهة ومدروسة تُوجّه إلى منظومة الفساد والنهب المؤسسي، وتدرج إنساني ومسؤول يراعي حاجات المواطنين ويصون الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي.

إعداد: المهندس/ أحمد السويحلي

حزب السلام والازدهار

بقلمأحمد حمدي السويحلي

عضو المكتب السياسي - عضو لجنة الإنتخابات الداخلية - منسق مكتب الشباب

كل مقالات الكاتب

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.