27-يناير-2025م
تفريغ وتدقيق: المهندس/ عمر سالم الحبيشي
للإستماع ومشاهدة الحوارية، مسح رمز الإستجابة السريع أدناه:
العناوين الرئيسية للحوارية
| ر.م | المُداخـــــــلات | رقم الصفحة |
| مقدمة (مُدير الحوارية): الدكتور يوسف الصواني | 4 | |
| مداخلة للدكتور أحمد الجهاني | 6 | |
| مداخلة الأستاذ أحمد المسلاتي | 10 | |
| مداخلة الدكتور علي سعيد البرغثي | 12 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 15 | |
| مداخلة الدكتور محمد الشحاتي | 17 | |
| مداخلة الدكتور أحمد عتيقة | 20 | |
| مداخلة الأستاذ محمد الصافي المنفي | 22 | |
| مداخلة المهندس أحمد عون | 24 | |
| مداخلة الدكتور منذر الشحومي | 28 | |
| مداخلة الدكتور محمد أبو سنينة | 34 | |
| مداخلة الدكتور عزيز الدين عاشور | 39 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 43 | |
| مداخلة الأستاذ عبدالدائم الغرابلي | 44 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 46 | |
| مداخلة الدكتور محمد الصغير | 47 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 49 | |
| تحليل ختامي للحوارية مداخلة المهندس محمد خالد الغويل رئيس حزب السلام والازدهار | 50 |
مقدمة الدكتور يوسف الصواني (مُدير الحوارية)
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن القرار الصادر مؤخراً عن مجلس الأمن برقم 2769 لسنة 2025م، يُعدُ وثيقةً دوليةً بالغة الأهمية، سواء على الصعيد العالمي أو الإقليمي أو المحلي، فهناك جملة من الإعتبارات التي يجب مراعاتها عند محاولة فهم السياق الذي أُنتج فيه هذا القرار، وإستشراف آثاره العملية على أرض الواقع.
السياق الدولي للقرار: صراع القوى وإعادة تشكيل النظام العالمي
في مدرسة الواقعية للعلاقات الدولية – والتي أتبنى رؤيتها شخصياً – لا مكان للخرافات أو المثالية، فالعالم مسرحٌ للصراع بين القوى الكبرى التي تتنافس بأساليب متعددة، ومجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة جزءٌ من هذا الصراع الذي يُدار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.
يُحتمل أن يحمل هذا القرار بين طياته إشاراتٍ إلى موجة تحولات كبرى قد تطال النظام العالمي الذي ظل مستقراً نسبياً على مدى ثمانية عقود، وهنا يجب الإشادة بحزب السلام والازدهار لإستباقه مناقشة هذا الملف، الذي يجمع بين الهم الوطني والتداعيات الإقليمية والدولية.
محاور النقاش: بين السياسة والاقتصاد والأمن
ستتناول هذه الحوارية الأبعاد المتعددة للقرار، بما في ذلك:
- الجوانب الاقتصادية (خاصة ما يتعلق بالنفط والغاز).
- الأبعاد السياسية (المسار السياسي الليبي ودور بعثة الأمم المتحدة).
- المضامين الأمنية والدفاعية (التي أشار إليها القرار صراحةً).
ولضمان الفعالية، سنركز اليوم على:
- الجانب القانوني للقرار.
- الأبعاد الاقتصادية، مع تركيز خاص على قطاع النفط.
ليبيا في الاستراتيجية الدولية: بين النفط والأمن الأوروبي
لا يخفى على أحد أن ليبيا – في نظر الكثيرين ضمن هذا النظام الدولي – لا تعني سوى:
- ثروات النفط والغاز.
- حارساً لحدود الاتحاد الأوروبي.
وإذا وسعنا زاوية التحليل ليشمل الصراع الدولي الأوسع، فسنرى أن ليبيا أصبحت ساحةً للتنافس بين:
- الولايات المتحدة.
- روسيا (القوة العظمى النسبية التي لا تمتلك مقومات التغيير الجوهري للنظام العالمي).
لكن الاستراتيجية الأمريكية – كما صرح الرئيس السابع والأربعون دونالد ترامب – تهدف إلى جعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً بإمتياز، بغض النظر عن التكاليف الإنسانية أو الأخلاقية أو البيئية.
الأسئلة الكبرى: نحو قراءة إستشرافية
هذا الوضع يطرح أسئلة مصيرية لا تخص ليبيا فحسب، لكننا سنبدأ بالتركيز على:
- كيفية قراءة هذا القرار في سياقه الليبي؟
- ما الذي يعنيه للمشهد السياسي والاقتصادي في بلادنا؟
سنستمع اليوم إلى مداخلات قيمة من:
- مشاركين عن بُعد عبر الفضاء الافتراضي.
- الحضور الكريم في القاعة.
ودعونا نبدأ أولى المداخلات مع الدكتور أحمد الجهاني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة للدكتور أحمد الجهاني:
السياق التاريخي والإشارات الرمزية
ثمة ملاحظات جديرة بالذكر حول قرار مجلس الأمن رقم 2769 الصادر عام 2025م، أتمنى أن تنجح هذه المحاولة بعد فشل المحاولة الأولى التي كانت “إرتجالية” (Impromptu)، إذ تبادر إلى ذهني آنذاك أن هذا القرار يحمل إشارةً (“Indication“) ذات دلالة غيبية، خاصة أن رقمه (69) يُذكرني بأغنية “فندق كاليفورنيا” (Hotel California) التي إشتهرت عام 1969م، لقد ربطناها آنذاك بوضع ليبيا والولايات المتحدة، حيث تغنينا بأن ذلك الفندق كان مسرحاً للفواجع والأهوال، وأن العبارة الشهيرة “يمكنك المغادرة، لكنك لن تتركه أبدًا” (You can check out, but you can never leave) تنطبق على واقعنا. لذا، أتمنى ألا تكون علاقتنا بمجلس الأمن كعلاقتنا بذلك الفندق.
الجهد الدبلوماسي خلف الكواليس
جاء هذا القرار بعد سلسلة من المحاولات الجادة، حيث تم تقديم سبع مسودات قبل التوافق على الصيغة النهائية، والأمر اللافت أن روسيا إمتنعت عن استخدام حق النقض (الفيتو)، وهو ما يُرجح وجود تفاهمات خلفية، وفي هذا السياق، أُعلن مؤخراً عن تعيين (حنا تيتي) رئيساً للبعثة الأممية في ليبيا، رغم التنافس بين القطبين (روسيا والصين) والقطب الأمريكي وحلفائه، يبدو أن هناك محاولة لإسترضاء روسيا عبر سياسة “الإلهاء”، وهي ما شبهتها سابقاً بقصيدة أحمد شوقي “الليث ملك القفار”، حيث يُحتمل أن تكون الإسترضاء مرتبطة بقضايا التدريب العسكري.
الإشكاليات القانونية والوضع الليبي
في مجال القانون، يرى كثيرون أن العلاقة مع الأمم المتحدة أمرٌ محتوم، لكني أختلف مع هذا الرأي، فقد عارضتُ “إتفاقية التأسيس” (Establishment Agreement) ليس لأنها كانت غير ممكنة، بل لأنه كان ينبغي وضع “شرط مسبق” (Precondition) قبل التوقيع عليها، وهو ما ناديتُ به منذ عام 2011م.
بعد التوقيع، تحولت العلاقة إلى ما يشبه “الرعاية” وليس “الوصاية”، إذ إن الوصاية تُلزم بجدولٍ زمني ومسؤوليات محددة، بينما الرعاية هنا ذات طبيعة فريدة (Sui Generis)، تشبه رعاية القُصر دون سن الثامنة عشرة.
هذا الوضع تسبب في إشكاليات كبيرة، شبيهة بـ”فندق كاليفورنيا”، حيث تُقدم البعثة الأممية تقاريرها إلى مجلس الأمن عبر “الإحاطات”، والتي أصبحت تعتبر “عنوان الحقيقة” فيما يخص ليبيا، لكن هذه الإحاطات حولت الوضع السياسي الليبي إلى حالة من التشرذم وعدم النمو، وهو ما يعاني منه الجميع اليوم.
المأزق القانوني الدولي
في القانون الدولي، وُجدت معضلة تُعرف بـ “المأزق المستحيل” (Catch-22)، حيث لا يمكن للشعب الليبي الخروج من هذا النظام إلا إذا قررت البعثة أنه أصبح “جاهزاً” لإجراء إنتخابات حرة، وهنا يبرز سؤال جوهري: من يحدد الأهلية؟، الإجابة تكمن في البعثة الأممية، مما يخلق حلقة مفرغة.
الأبعاد المالية في القرار
- تجميد الأصول (Asset Freeze):
- تبلغ قيمة الأصول المجمدة في “يوروكير” (Euroclear) ما بين 15 إلى 17 مليار دولار.
- يوجد في المصرف المركزي الليبي مبلغ إضافي يقدر بـ 20 مليار دولار.
- تم تحويل السندات قصيرة الأجل (Mid Short Bonds) إلى نقدية وفق شروط ثابتة (Fixed Terms).
- النظام المالي:
- تم تطبيق نظام الترخيص (License Regime).
- وضعت ضمانات مالية (Secured Covenants).
- تمت معالجة مشكلة الخلط بين الأدلة القانونية (Conflation of Evidence).
نبذة تاريخية عن مجلس الأمن
تعود جذور مجلس الأمن إلى مؤتمر سان فرانسيسكو، حيث كان يفترض تسميته “مجلس السلم والأمن”، لكنه تحول إلى مفهوم “الأمن الجماعي” (Collective Security)، مع تركيز السلطة في يد الأعضاء الدائمين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، وقد أُضيف الفصل السابع إلى ميثاق الأمم المتحدة، مستمداً من فكرة “عصبة الأمم” (League of Nations) التي إنهارت بعد غزو موسوليني للحبشة.
اليوم، يواجه مجلس الأمن إشكاليات عديدة، أبرزها “حق النقض” (الفيتو)، ومع ذلك، فقد تمكنا من الحصول على قرار في هذه الظروف الصعبة.
تفسير القانون الدولي
القانون الدولي هو قانون أفقي لا يحكمه حكومة عالمية، ولا يوجد فيه سجون أو نائب عام، يمكن فهمه عبر الأعراف والتراكمات التاريخية، بدءاً من الإمبراطوريات القديمة، مروراً بالقانون الروماني الذي وضع مبادئ مثل “يجب تنفيذ الإتفاقيات” (Pacta sunt servanda)، وصولاً إلى المفاهيم الإسلامية مثل “دار الإسلام ودار الحرب”.
اليوم، نجد أنفسنا في إشكالية تفسير النصوص القانونية، خاصة فيما يتعلق بوضع ليبيا تحت نظام “ذو طبيعة فريدة” (Sui Generis)، والذي حولها إلى حالة من التبعية غير المسؤولة.
بنود القرار 2769 وإشاراته
- حظر توريد الأسلحة (Arms Embargo):
يبدو أن هناك نوعاً من “التوازن” (Rebalization) في هذا البند، مما قد يفتح الباب أمام إستيراد الأسلحة، لكن التفاصيل تبقى محل نقاش بين المختصين.
- حظر السفر (Travel Ban) وتجميد الأصول (Asset Freeze):
في مجال تخصصي (القانون المالي الدولي)، أرى أن هذا القرار قد كافأ جهود المؤسسة الليبية للاستثمار، حيث تحول تجميد الأصول من عقوبة إلى إجراء وقائي لحماية الأموال من التسرب إلى نظام القذافي.
كما تم إعتماد “نظام الترخيص” (License Regime)، لكنه واجه إنتقادات بسبب إختلال القيم المالية، خاصة فيما يتعلق بالسندات “Bonds” قصيرة الأجل “Mid Short“، والتي تحولت إلى نقدية.
- النفط والتجاوزات القانونية:
هناك مشكلة كبيرة في بيع النفط خارج الإطار القانوني “Unlisting“، حيث يفترض أن تتم جميع التعاقدات عبر “المؤسسة الوطنية للنفط”، لكن نظام المقايضة أدى إلى تجاوزات خطيرة.
4. لجنة الخبراء (Panel of Experts):
تم تمديد عملها حتى مارس 2026م، وهي تُعد هيئة دائمة في القانون الدولي، تشبه “الدواوين”، وسيقدم تقريرها النهائي حول تنفيذ القرار.
الخاتمة
هذا القرار يمثل “خطوة مهمة” (Breakthrough)، لكن التحديات تبقى قائمة، خاصة في الجوانب المالية والعسكرية، نرحب بالإجراءات الإيجابية، لكننا نطالب بمزيد من الشفافية والملكية الوطنية للقرارات التي تخص ليبيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الأستاذ أحمد المسلاتي
مدخل إلى تحليل القرار
مشاركتي في هذه الحوارية كانت إستجابةً لدعوة المهندس محمد خالد الغويل رئيس حزب السلام والازدهار.
بُنيت هذه القراءة التحليلية على أساس إستعراض سريع للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن بشأن ليبيا، التي وصلت إلى عدد 48 قراراً منذ عام 2011م، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى فعاليتها في تحقيق الإستقرار، في ظل إستمرار الأوضاع المتردية والإنقسام السياسي، الذي يعوق إجراء الإنتخابات وتفعيل نظام الحكم المحلي.
أبرز محاور القرار 2769 ومحدودية تأثيره
يتناول القرار 2769 قضايا حساسة، من بينها إنتهاكات حظر توريد الأسلحة، وتهريب الوقود، وتصاعد الأنشطة الإرهابية، إلا أنه في جوهره لا يضيف جديداً على ما سبق إدراجه في قرارات سابقة لمجلس الأمن، والتي لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.
ورغم أن القرار صادر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما يمنحه طابعاً إلزامياً، إلا أن مضمونه لا يتجاوز حدود تحديد التهديد للسلم وفق المادة 39، دون اللجوء إلى إجراءات تنفيذية حقيقية.
كما تظل العقوبات الواردة فيه نظرية، إذ تقتصر على التهديد دون إتخاذ تدابير فعلية، ما يجعل القرار مجرد إمتداد لسلسلة من القرارات غير المفعلة.
التناقضات والغموض في القرار 2769
- الإطار القانوني الغامض: يشير القرار إلى أن الوضع في ليبيا يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، مما يبرر إتخاذ إجراءات بموجب الفصل السابع، لكنه لا يحدد بوضوح آليات التنفيذ أو التدخل الفعلي.
- إزدواجية التعامل مع المؤسسات العسكرية: ذكر القرار “رئيسين للأركان العامة”، رغم أن الأمم المتحدة لا تعترف رسمياً إلا بحكومة الوحدة الوطنية، ما يعكس تناقضاً في الموقف الدولي.
- عدم الوضوح في الإشراف على الرقابة: تنص الفقرة الخامسة على تولي الحكومة الليبية مهام الرقابة، دون تحديد واضح إن كانت الحكومة الحالية أو حكومة مستقبلية.
- إستخدام لغة مرنة في العقوبات: بدلاً من فرض عقوبات قاطعة على معرقلي الإنتخابات، يكتفي القرار بعبارة “يمكن أن تشمل”، ما يعكس تردداً في إتخاذ خطوات حاسمة.
- القيود على استثمار الأموال المجمدة: رغم السماح بإستثمار الأموال الليبية المجمدة، إلا أن ذلك يقتصر على الدول التي تحتفظ بها، ما قد يقلل من الفوائد المرجوة.
مقارنة القرار 2769 بالقرارات السابقة
لم يأتِ القرار بجديد جوهري مقارنة بقرارات سابقة، مثل القرار 2146 حول تهريب النفط، والقرار 2626 لسنة 2022 بشأن إدارة الموارد المالية، وعلى الرغم من تطرقه لقضية تهريب النفط بشكل أكثر تفصيلاً، إلا أنه لا يتجاوز كونه إستعراضاً لتقارير سابقة دون تقديم آليات تنفيذية واضحة.
خاتمة: قرار مهم لكن غير كافٍ
رغم أهمية القرار 2769 من حيث التأكيد على بعض القضايا الجوهرية، إلا أنه لا يشكل تحولاً نوعياً، حيث لا تزال معظم مواده تفتقر إلى آليات تنفيذية حقيقية.
التحدي الحقيقي يكمن في تفعيل هذه القرارات وتحويلها إلى إجراءات ملموسة تُلزم الأطراف المعنية بتنفيذها، بدلاً من أن تبقى مجرد نصوص قانونية تضاف إلى قائمة طويلة من القرارات غير المُطبقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور علي سعيد البرغثي
مقدمة
أتوجه بالشكر إلى المهندس محمد خالد الغويل رئيس حزب السلام والازدهار، على إتاحة الفرصة للمشاركة في هذا النقاش حول قرار مجلس الأمن رقم 2769 المتعلق بالأزمة الليبية.
إن الوقوف عند هذا القرار أمر في غاية الأهمية، حيث إنه قد يُنظر إليه، للوهلة الأولى كواحد من القرارات المُعتادة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، إلا أنني أرى أنه يحمل في طياته أبعادًا تستوجب التحليل العميق.
دلالات توقيت صدور القرار
يتوجب علينا التساؤل: لماذا صدر هذا القرار في هذا التوقيت بالذات؟ فالمجتمع الدولي، ولا سيما الدول المؤثرة داخل مجلس الأمن، لم يكن لديها توافق واضح بشأن الأزمة الليبية سابقاً، حيث كانت القرارات تصدر غالباً بصيغة غامضة دون إجراءات تنفيذية واضحة، إلا أن ما نشهده اليوم هو تطور من حالة عدم التوافق إلى حالة الإختلاف الصريح، ما يجعل من غير المنطقي صدور قرار يُعبر عن إرادة جماعية متجانسة لهذه الدول.
في إعتقادي، هناك عوامل أساسية دفعت إلى إصدار هذا القرار، أبرزها التغيرات في النظام الدولي وحالة عدم الإستقرار العالمية، فالعالم يشهد إنتقالاً في موازين القوى الدولية، حيث تسعى كل دولة للحفاظ على وزنها النسبي داخل النظام العالمي.
وفي هذا السياق، تظل الولايات المتحدة، التي تقود الإدارة الأمريكية الحالية، في حالة من الغموض بشأن العديد من القضايا الدولية، وهو ما يفتح المجال أمام قرارات من هذا النوع.
الأبعاد الاقتصادية وتأثيرها على القرار
جانب آخر لا يقل أهمية يتمثل في الأوضاع الاقتصادية العالمية وإتجاهاتها المستقبلية، فالكثير من القضايا الواردة في القرار لها إرتباط وثيق بالاقتصاد، لا سيما النفط، ومستويات إنتاجه، وعوائده على ليبيا والعالم.
هناك توقعات بإنخفاض أسعار النفط، ما سيؤدي إلى تداعيات مباشرة على الوضع الاقتصادي في ليبيا، كما أن حالة الإنغلاق السياسي الداخلي، إلى جانب التدهور الاقتصادي والمعاناة الاجتماعية، تدفع القوى الدولية إلى البحث عن حلول ولو مرحلية، لفتح نوافذ في هذا الجمود السياسي.
المُحددات السياسية والأمنية في القرار
هناك ثلاثة عناصر أساسية في القرار يجب التوقف عندها:
- الإشارة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة: يعني ذلك أن المجتمع الدولي لا يزال ينظر إلى ليبيا كدولة تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
- تصنيف الإرهاب كعامل رئيسي في الأزمة الليبية: وهذا يحمل دلالة خطيرة، حيث يشير إلى أن الجهات التي صاغت القرار تمتلك أدلة قاطعة على وجود تهديد إرهابي داخل ليبيا.
- التعديلات المتعلقة بحظر الأسلحة: القرار لم يكتف بالإشارة إلى رفع الحظر جزئياً، بل أتاح لمن يورد الأسلحة إستخدامها، إلى جانب السماح بدخول سفن ومعدات عسكرية، ما يشير إلى إحتمال حدوث تحرك عسكري في المستقبل القريب.
الشق الاقتصادي: الأموال المُجمدة والنفط مقابل الغذاء
القرار تطرق أيضاً إلى مسألة إستخدام الأموال الليبية المُجمدة، وهو ما قد يُفهم على أنه تجهيز لمصدر تمويل محتمل لأي متطلبات ناتجة عن التطورات القادمة.
وإذا أخذنا في الإعتبار ما يحدث، قد نكون أمام سيناريو شبيه بتجربة “النفط مقابل الغذاء”، حيث يتم إستخدام عائدات النفط والأموال المُجمدة لتغطية إحتياجات معينة.
البُعد الإقليمي: تركيا ومصر
العاملان التركي والمصري يلعبان دوراً محورياً في هذه المعادلة، فصدور القرار بهذه الصيغة ربما يخدم مصالح كلا البلدين، حيث لا يؤدي إلى تغيير جذري في المشهد، بل يفتح المجال أمام إستمرار تدفق الأسلحة وتعزيز النفوذ الإقليمي.
ومن الواضح أن القوى الدولية تسعى للحفاظ على الوضع الراهن، إذ إنه يخدم مصالحها في الوقت الحالي.
خاتمة
في الختام، فإن هذا القرار لم يصدر فقط كإستجابة للأزمة الليبية، بل هو جزء من سياق أوسع يتعلق بالمصالح الدولية، وعلى الرغم من الإشارة إلى الإنتخابات كوسيلة للخروج من الأزمة، إلا أن القرار لم يحدد شكلها أو توقيتها، ما يعكس عدم وجود رؤية واضحة للحل.
وبالتالي، فإن الإنتخابات قد تكون مجرد محاولة لتجميل المشهد السياسي دون حل جذري للأزمة، خصوصاً وأن القوى المسيطرة على الأرض ليست الصناديق الإنتخابية، بل قوى الأمر الواقع.
نحن بحاجة إلى تحليل أعمق لهذا القرار في سياق مجمل القرارات المتعلقة بليبيا، وأتطلع إلى الإستماع إلى آراء الزملاء الاقتصاديين والقانونيين والأمنيين لإستكمال هذه الصورة وفهم تداعيات القرار بشكل أكثر شمولاً ودقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
تصاعد التوتر حول الجوانب القانونية للقرار
ما سمعناه اليوم يعكس حالة إشتباك قانوني قد تُنذر بتطورات خطيرة في المشهد الليبي، وهو ما نخشاه جميعاً.
وكما أشار الدكتور علي سعيد البرغثي في مداخلته، فإننا ربما سنشهد إرتفاعاً في مؤشر توريد السلاح إلى ليبيا، ليس فقط بسبب تفويض الأمم المتحدة ومجلس الأمن الرقابة للدول الأعضاء المعنية، ولكن أيضاً لأن معظم الأسلحة الموجودة حالياً على الأراضي الليبية ترتبط بأطراف إقليمية أكثر من إرتباطها بجهات دولية بعيدة.
إن عمليات تزويد السلاح، سواء بشكل مباشر أو عبر التمويل، تشكل محوراً أساسياً في هذه القضية، حيث يلعب السلاح الروسي دوراً بارزاً في هذا السياق.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، تُثار العديد من التساؤلات حول تدفق كميات كبيرة من الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا، مع غموض حول الهدف النهائي لهذه التحركات، سواء كان ذلك داخل القارة الإفريقية أو في مناطق أخرى، وكما أشار الدكتور البرغثي، فإن هذا مؤشر خطير يجب أخذه بعين الاعتبار.
رفع التجميد عن الأموال الليبية: أداة لتمويل الصراعات؟
في سياق متصل، فإن الربط بين رفع التجميد عن بعض الأموال الليبية والعمليات العسكرية المحتملة على الأراضي الليبية ليس مجرد مصادفة، فمن المحتمل أن يكون الهدف من ذلك هو تمويل عمليات يتم التخطيط لها من قبل جهات معينة، وهي الجهات التي حددها الدكتور البرغثي بوضوح عند حديثه عن القوى التي لا تزال تمسك بأهم مفاتيح ميزان النظام الدولي الحالي، لا سيما فيما يتعلق بليبيا.
الإشكاليات المرتبطة بالإنتخابات الوطنية
جانب آخر محبط في هذا القرار يتمثل في التحول الملحوظ في مفهوم “الإنتخابات الوطنية”، حيث لم يعد هناك تأكيد على ضرورة إجراء إنتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة كما كان يتم الترويج له سابقاً، بل أصبح من المحتمل الإكتفاء بإجراء إنتخابات برلمانية فقط، وهو أمر يُثير العديد من التساؤلات حول مستقبل العملية السياسية في ليبيا.
وهذا ما يذكرنا بما طرحه الأستاذ أحمد المسلاتي بشأن بعض الصيغ المستخدمة في القرارات، والتي تبدو ملتبسة عند ترجمتها إلى اللغة العربية، لكنها في الواقع تحوي قدراً كبيراً من الخبث عند العودة إلى النص الإنجليزي، ولا يمكن إغفال الدور البريطاني في هذا السياق، حيث لا تزال بريطانيا هي “حاملة القلم” في مجلس الأمن عندما يتعلق الأمر بصياغة القرارات الخاصة بليبيا.
خاتمة: إشارات تستدعي الإنتباه
إن هذه الإشارات التي وردت في حديث الدكتور علي سعيد البرغثي تسلط الضوء على أبعاد خطيرة للقرار الأممي، سواء فيما يتعلق بالجوانب القانونية أو السياسية، وإذا لم يتم التعامل معها بحذر ووعي، فقد نشهد تطورات تزيد من تعقيد الأزمة الليبية بدلاً من حلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور محمد الشحاتي
أتقدم بجزيل الشكر إلى السيد رئيس حزب السلام والازدهار المهندس محمد خالد الغويل، على إستضافتي للتعليق على قرار مجلس الأمن رقم 2769 لسنة 2025م، والمتعلق بالأوضاع في ليبيا.
عند تحليل هذا القرار نجد أن هناك عدة عوامل أثرت في صدوره، وأبرزها الإستعجال الواضح في إتخاذه، ويعود هذا الإستعجال إلى قرب إنتهاء فترة عمل السيدة ستيفاني خوري كمبعوثة أممية، حيث من المتوقع تعيين مبعوث جديد خلفاً لها، بالإضافة إلى ذلك، فإن تغير الإدارة الأمريكية، مع تنصيب الرئيس دونالد ترامب، كان له أثر على مسار التعامل الدولي مع الملف الليبي.
خلال العام الماضي، شهدت ليبيا إحتجاجات واسعة نتيجة فشل المبادرة الأممية السابقة التي قادتها السيدة ستيفاني ويليامز، إذ لم تؤدي إلى إجراء الإنتخابات، ولم يطرأ أي تغيير جوهري على الوضع السياسي أو الاقتصادي، بل تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشكل ملحوظ، لا تزال الدولة تعمل بدون ميزانية معتمدة من السلطات التشريعية، ما تسبب في تعقيدات مالية محلية وأثار تساؤلات دولية حول كيفية تعامل المجتمع الدولي مع دولة تفتقر إلى معايير واضحة للإنفاق الحكومي.
ضعف بعثة الأمم المتحدة في ليبيا
إن التغيرات المتسارعة في قيادة البعثة الأممية إلى ليبيا جعلتها تعاني من ضعف واضح في الأداء، حيث أصبحت أقل فاعلية وأقل دراية بالوضعين السياسي والاقتصادي في البلاد، ونتيجة لذلك فإن الحلول التي تقدمها البعثة تتسم بالتكرار وتعتمد على حلول سابقة لم تحقق نجاحاً يُذكر، ورغم أن القرار يحتوي على العديد من النقاط الإيجابية، إلا أن قراءتي له توضح أنه غير محترف، وهو ما سأتطرق إليه بالتفصيل.
قضية التهريب والتصدير غير المشروع للنفط
أحد الجوانب المهمة التي يركز عليها القرار هو مسألة تهريب وتصدير النفط غير المشروع، جاء في الديباجة: “يلاحظ بقلق التقارير التي تفيد بالاستيراد غير المشروع للنفط، بما في ذلك الخام والمنتجات النفطية المكررة إلى ليبيا، ويؤكد على دور المنسق في حماية موارد ليبيا لصالح شعبها”، عند تحليل هذه الفقرة، يجب توضيح أن هناك فرقاً جوهرياً بين التهريب والتصدير غير المشروع.
التصدير غير المشروع للنفط يُقصد به أي عملية بيع تتم خارج نظام القياس والتفتيش التابع للمؤسسة الوطنية للنفط، حيث تمتلك المؤسسة إدارة خاصة بالقياس والتفتيش تعمل في الموانئ لضمان توثيق جميع عمليات التصدير.
أما التهريب، فعادةً ما يتم عن طريق البر أو البحر، وأظن أن الأمم المتحدة تشير إلى الكميات التي يتم تهريبها بحراً، نظراً لأن التهريب عبر البر، رغم خطورته، يظل محدوداً لوجستياً، على سبيل المثال، عندما نتحدث عن كمية 30 ألف طن من الوقود، فإن تهريبها عبر البر سيتطلب أسطولاً ضخماً من الشاحنات قد يصل إلى 1000 سيارة، وهو أمر غير واقعي.
إلتباس المصطلحات في القرار
يُظهر القرار إلتباساً في إستخدام مصطلحات مثل “الإستيراد غير المشروع للنفط الخام”، وهو أمر غير منطقي، إذ لا يوجد إستيراد غير مشروع للنفط الخام في ليبيا، حيث لا يُعرف عن البلاد إستيرادها للنفط الخام، فما الدافع لإستيراده بطرق غير قانونية؟ وأين سيتم تخزينه أو تكريره؟ كما أن هناك ذكراً “للإستيراد غير المشروع للمنتجات النفطية المكررة”، وهو ما قد يعود إلى حادثة إستيراد شحنات من كيروسين الطيران عندما كانت المنطقة الشرقية تعاني من نقص فيه، ولكن هذه الحادثة كانت إستثنائية وتوقفت منذ زمن طويل.
المواد القانونية وأوجه القصور
يشير القرار إلى عدد من المواد القانونية التي تفتقر إلى الوضوح، على سبيل المثال، تتناول الفقرة 18 والفقرة 20 منع تصدير النفط بطرق غير مشروعة، لكنها لا تقدم تعريفاً دقيقاً لما يُقصد بالمؤسسات “الموازية”، فبعد توحيد المؤسسة الوطنية للنفط لم يعد هناك كيانات نفطية موازية معترف بها رسمياً، كذلك لم يحدد القرار ما إذا كان النفط غير المشروع هو النفط المُنتج عن طريق الشركات النفطية ويتم تهريبه، أم أنه النفط الذي لم يُسجل في دفاتر المؤسسة الوطنية للنفط، فإذا كان النفط مسجلاً في دفاتر المؤسسة، فمن الصعب إعتباره غير مشروع.
من ناحية أخرى، لا بد من التفريق بين التصدير والتهريب، إذ إن التصدير يتطلب إستخراج وثيقة جمركية رسمية، بينما التهريب هو عمل إجرامي غير قانوني، ويجب أن يكون موضع إدانة دولية وتحويله إلى السلطات القضائية المختصة.
كما أن القرار يتحدث عن مسؤولية الحكومة الليبية في الإبلاغ عن السفن غير المشروعة، ولكن هذا يطرح تساؤلًا حول قدرة ليبيا الفعلية على مراقبة سواحلها، فهل تمتلك الدولة إمكانيات مثل الأقمار الصناعية أو الطيران الحربي لمراقبة هذه السفن؟ الواقع يشير إلى أن المراقبة تتم بشكل محدود، غالباً عبر تحريات تجارية لبعض الأطراف المتعاملة مع سوق النفط.
الفقرات 13 و16: تجميد الأصول الليبية ومسؤولية الأمم المتحدة
يتطرق القرار أيضاً إلى مسألة الأصول الليبية المجمدة في الخارج، وهي قضية حساسة للغاية.
الفقرة 13 التي ورد ذكرها أكثر من مرة في القرار، تعترف بأن التجميد المطول للأصول الليبية يضُر بمصالح الشعب الليبي، حيث جاء فيها: “بما في ذلك عن طريق منع إساءة استخدام الأصول المجمدة أو إساءة التصرف فيها”، بعد 14 عاماً من التجميد، أصبح من الواضح أن هذا الإجراء لم يعد يخدم أي مصلحة قانونية، بل تحول إلى عائق أمام التنمية الاقتصادية في ليبيا.
أما الفقرة 16 فهي تشير إلى ضرورة تقليل مخاطر تحويل الأصول الليبية أو إختلاسها، لكنها تفتقر إلى القوة الإلزامية، حيث تكتفي الأمم المتحدة بحث الدول الأعضاء على إتخاذ التدابير المناسبة، بينما كان الأجدر بها إصدار أوامر صريحة بضرورة الحفاظ على هذه الأموال، حتى ولو تحت البند السابع، بإعتبار أن ليبيا لا تزال خاضعة له.
لقد تعرضت الأصول الليبية المجمدة لخسائر جسيمة بسبب سوء الإدارة من بعض الدول، سواء الأوروبية أو العربية أو الإسلامية، ويجب على مجلس الأمن تحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك.
وعليه فإن من حق ليبيا أن تتقدم بإحتجاج رسمي، سواء عبر الأمم المتحدة أو حتى من خلال محكمة العدل الدولية، للمطالبة بالتعويض عن هذه الخسائر.
أما فيما يتعلق بمستقبل هذه الأموال، فإن الإشارة في الفقرة 13 إلى “مرحلة لاحقة” يتم فيها الإفراج عن الأصول المجمدة تظل غامضة، ويجب تحديد سقف زمني واضح لهذه المرحلة، مع وضع آلية للاستفادة من هذه الأموال منذ الآن، بدلاً من الإنتظار إلى أجل غير معلوم.
خاتمة
في الختام، من الضروري أن تتعامل ليبيا بحزم مع القضايا المطروحة في هذا القرار، سواء فيما يتعلق بالسيادة على مواردها النفطية، أو بحقها في المطالبة بإستعادة أصولها المجمدة، مع ضرورة العمل على توضيح المصطلحات القانونية المرتبطة بملف النفط لمنع أي إلتباسات قد تؤدي إلى نزاعات مستقبلية.
أشكركم على حسن الاستماع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور أحمد عتيقة
مقدمة
أسعد الله مساءكم بكل الخير، أبدأ بتوجيه خالص الشكر والعرفان إلى الأخ العزيز المهندس محمد خالد الغويل وإلى حزب السلام والازدهار وكوادره المتميزة على دعوتي لحضور هذه الحوارية المهمة.
يسعدني أن أكون بينكم ولو عبر تسجيل صوتي، رغم أنني كنت أفضل الحضور شخصياً في طرابلس، التي غادرتها قبل أيام، لكن نظراً للظروف، سأختصر مداخلتي في ثلاث ملاحظات رئيسية، على أمل أن يفتح باب النقاش لاحقاً عبر الزوم لمداخلات مباشرة.
الملاحظة الأولى: حالة الفوضى والانقسام في ليبيا
إن الحالة العامة في بلدنا اليوم لا تُسر العدو ولا الصديق، حيث تعُم الفوضى والعبث في كل المناحي السياسية، العسكرية، الأمنية، الاقتصادية، والاجتماعية.
لذا عندما يدعو مجلس الأمن إلى عملية سياسية شاملة يقودها الليبيون وتيُسرها الأمم المتحدة، فإنني أشك في توافر العناصر المطلوبة لإنجاح هذه العملية.
الأطراف المتصارعة في ليبيا، بمختلف توجهاتها ومسمياتها، رسخت مكاسبها على الأرض لدرجة يصعب معها التخلي عنها عبر أدوات سياسية تقليدية، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات العسكرية العائلية في الشرق والجنوب، أو بفوضى الميليشيات في الغرب، فإن الواقع يفرض البحث عن أدوات وإطار مختلف تماماً إذا ما أردنا إستعادة السلام والأمن والبدء في عملية التنمية.
نحن أمام وضع يزداد رسوخاً بوجود حكومتين تتعاملان مع هذا الإنقسام وكأنه أمر طبيعي، لقد حضرتُ مؤخراً مؤتمراً دولياً حول قطاع الطاقة في ليبيا، حيث تحدث المشاركون عن الاستثمارات وكأن البلاد مستقرة، متجاهلين واقع الإنقسام السياسي والاقتصادي والمؤسسي، عندما نبهتهم إلى هذه الحقيقة، كان التفاعل إيجابياً، لكنها كانت بمثابة “الفيل في الغرفة” (The elephant in the room)، وهي الحقيقة الكبيرة التي يتجنب الجميع الحديث عنها.
إن هذا الإنقسام يشكل خطراً وجودياً على ليبيا، ولابد من الإعتراف به ومعالجته بجدية للخروج من هذا النفق المظلم.
الملاحظة الثانية: المؤسسة الليبية للاستثمار والتجميد الإختياري
تطرق قرار مجلس الأمن إلى المؤسسة الليبية للاستثمار، مشيراً إلى إجراءات تسهيل استثمار إحتياطياتها المُجمدة، ورغم أن هذه خطوة إيجابية، يجب أن نتذكر أن التجميد كان قراراً إختيارياً إتخذته الدولة الليبية عام 2011م لحماية الأصول ريثما تعيد المؤسسة هيكلتها لتصبح صندوقاً سيادياً بمعايير عالمية، لكن ما حدث أن المؤسسة تعرضت لهزات وإنقسامات، حتى باتت لها إدارتان إحداهما تتبع مجلس النواب في الشرق.
مع مرور الوقت، تحول التجميد من إجراء حمائي إلى عقوبة، حيث لن يتم رفعه إلا بعد إستعادة الإستقرار المؤسسي والسياسي.
للأسف في ظل الإنقسامات الحالية، من غير المرجح أن تتخذ أي إجراءات لرفع التجميد، الحل الوحيد يكمن في تسوية شاملة للوضع الليبي، إلى جانب إعادة هيكلة المؤسسة بالكامل وفق المعايير العالمية، وهو أمر يتطلب تعديل قانون رقم 13 لسنة 2010م الذي يعاني من إشكاليات جوهرية، مثل تضارب المصالح وازدواجية إتخاذ القرار.
الملاحظة الثالثة: غياب القيادة الفاعلة والإستراتيجية الوطنية
من أهم المعضلات التي تواجه ليبيا اليوم غياب قيادة سياسية موحدة ذات رؤية واضحة وإستراتيجية وطنية جامعة.
إن تعدد مراكز القرار وإفتقار البلاد إلى قيادة تتمتع بشرعية واسعة يؤجج الإنقسامات ويُضعف فرص التوافق، فبينما تزداد الهوة بين الأطراف المتصارعة، تغيب الإرادة الحقيقية لإيجاد حل شامل، مما يجعل الوضع الحالي مستداماً بدلاً من أن يكون مرحلة إنتقالية.
إن غياب قيادة موحدة يعني غياب رؤية اقتصادية واضحة، وتأخير الإصلاحات الجوهرية في كافة المجالات، من قطاع الطاقة إلى الاستثمار والتنمية.
وعليه فإن الحل لا يقتصر على عقد الحوارات السياسية، بل يتطلب بلورة مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس حديثة، بعيداً عن المصالح الضيقة والمكاسب الفئوية.
ختاماً
أكتفي بهذه الملاحظات الثلاث، على أمل أن يكون هناك مجال لمداخلات ونقاشات إضافية.
أشكر حزب السلام والازدهار والمهندس خالد الغويل وكل القائمين على هذه المبادرة، وأتطلع إلى المزيد من الحوارات البناءة حول مستقبل ليبيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الأستاذ محمد الصافي المنفي
قرار مجلس الأمن وتداعياته على ليبيا
أود في البداية أن أتوجه بجزيل الشكر لحزب السلام والازدهار على دعوتي للمشاركة في هذه الندوة التي تتناول قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا.
يُسعدني دائماً أن أكون جزءاً من هذه النقاشات المهمة، التي تتطرق إلى القضايا الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة على حياة المواطن الليبي.
يأتي القرار الأخير لمجلس الأمن في توقيت بالغ الأهمية، خاصة وأن الاقتصاد الليبي يواجه تحديات كبرى، مثل تفاقم الدين العام، وصعوبة التحكم في سعر الصرف، والتضخم في الميزانية، إن هذه المتغيرات الاقتصادية الحاسمة تجعل من الضروري تحليل تداعيات القرار بشكل دقيق.
أبرز النقاط في القرار
سأركز في هذه المداخلة على نقطتين رئيسيتين، رغم أن القرار يتناول جوانب عدة:
- العقوبات المفروضة على تهريب النفط.
- حق المؤسسة الليبية للاستثمار في إدارة الاحتياطيات الليبية.
أولًا: العقوبات على تهريب النفط
يُعيد هذا القرار تسليط الضوء على قضية الفساد، ليس فقط من حيث الإنفاق العام، ولكن أيضاً من حيث الإيرادات، وهو الجانب الأكثر إهمالاً في النقاشات الدائرة حول الفساد في ليبيا، فمن المقلق جداً أن الإيرادات المتوقعة للدولة لا تُحصل بالشكل الأمثل، وهو ما يعود في جزء كبير منه إلى عمليات التهريب والتصدير غير المشروع للنفط ومشتقاته.
لقد جاء هذا القرار ليعزز الرقابة على هذه العمليات، خاصة وأن الإيراد النفطي يشهد تراجعاً ملحوظاً، في ظل إستمرار نظام المقايضة بين النفط والمشتقات النفطية، والذي أدى إلى تفاقم فاتورة دعم الطاقة التي تجاوزت 8 مليارات دولار سنوياً، ومن هنا، نأمل أن يكون القرار خطوة أولى نحو معالجة هذا الملف الحيوي.
إلا أن القرار، رغم أهميته، لم يتناول بعض الجوانب الجوهرية، مثل دور القطاع الخاص في تصدير النفط، ومدى إنخراطه في الإنتاج، وغياب الشفافية بشأن هذه الشراكات، خاصة مع بعض القوى الفاعلة على الأرض، إن عدم معالجة هذه المسائل قد يفتح المجال لآليات جديدة للتحايل على العقوبات المفروضة.
ثانياً: إدارة الأموال المُجمدة من قِبَل المؤسسة الليبية للاستثمار
جاء في القرار أن الأموال الليبية المُجمدة ستظل على حالها، لضمان إستفادة الأجيال القادمة منها، لكن المُستجد في هذا القرار هو منح المؤسسة الليبية للاستثمار الحق في إدارة هذه الموارد، وهو تطور مهم يجب التوقف عنده.
لنفترض أن جزءاً من هذه الموارد مستثمر في سندات الخزانة الأمريكية أو غيرها من الأدوات المالية منخفضة المخاطر، فإن القرار يتيح للمؤسسة الليبية للاستثمار إعادة تدوير هذه الأموال واستثمارها مجدداً، في ظاهر الأمر، تبدو هذه خطوة ضرورية، إذ لا يمكن للمجتمع الدولي أن يدير هذه الأموال إلى الأبد، فهي في نهاية المطاف ملك لليبيين، ومن حقهم تقرير مصيرها.
لكن هنا تكمن المخاوف في التفاصيل: كيف ستُدار هذه الأموال؟ وهل يحق لليبيين الاستفادة منها في الوقت الراهن؟ القرار كان واضحاً في أن الأموال والفوائد المترتبة عليها ستظل مُجمدة، لكنه أشار أيضاً إلى ضرورة إعتماد المؤسسة الليبية للاستثمار على معايير شفافية دولية في إعداد قوائمها المالية.
نحو شفافية أكبر في إدارة الأموال الليبية
من وجهة نظري الشخصية، فإن ما ينقص القرار هو إلزام المؤسسة الليبية للاستثمار بتوفير قدر أكبر من الشفافية، من خلال إنشاء منصة إلكترونية أو “لوحة تحكم” (Dashboard) تعرض للشارع الليبي حجم هذه الأموال، أماكن استثمارها، العائدات الناتجة عنها، ومدى زيادتها أو نقصانها عبر السنوات.
على سبيل المثال، عندما أعلنت المؤسسة الليبية للاستثمار أن حجم الأموال المُجمدة بلغ 67-68 مليار دولار أمريكي، لم يطرأ أي تغيير يُذكر على هذا الرقم مع مرور الوقت.
ومع الأخذ في الإعتبار تأثير التضخم وفقدان القيمة الشرائية، فإن عدم نمو هذه الأموال يعني في الواقع أنها تتعرض لخسائر.
لذا فإن من الضروري أن تتحلى المؤسسة بالشفافية الكاملة، لضمان إدارة هذه الموارد بما يحقق الفائدة الحقيقية للشعب الليبي.
ختاماً
أود أن أكرر شكري لحزب السلام والازدهار على هذه الإستضافة الكريمة، وعلى إتاحة الفرصة لمناقشة هذا الموضوع بالغ الأهمية.
أتمنى أن تكون هذه الجلسة بداية لحوار أعمق حول كيفية تحقيق أقصى استفادة ممكنة من القرارات الدولية، بما يخدم مصلحة ليبيا وشعبها، بارك الله فيكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة المهندس أحمد عون
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، النبي الكريم
أتوجه بالشكر إلى الحزب على إتاحة هذه الفرصة لتقديم هذه المُداخلة حول موضوع بالغ الأهمية، وهو قرار مجلس الأمن رقم 2769 لسنة 2025م، وخاصةً الجزء المتعلق بتصدير النفط غير المشروع.
آلية تصدير النفط في ليبيا
على مدار العقود الستة الماضية، كان النفط الليبي يُنتج ويُصدر وفق آلية تجارية ومالية واضحة ومُحددة، تتم حصرياً عبر المؤسسة الوطنية للنفط، وتحديداً فإن الإدارة العامة للتسويق الدولي التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة المسؤولة عن بيع كل ما يتوقع إنتاجه من النفط الخام سنوياً، وعادةً ما يتم إبرام العقود مع زبائن من شركات التكرير، وليس مع التجار.
في السنوات الماضية، كان الإنتاج مستقراً، مما مكن المؤسسة من التنبؤ بالكميات المتوقع إنتاجها شهرياً خلال العام المقبل، ولهذا في شهر ديسمبر من كل عام، يتم بيع الإنتاج السنوي القادم بالكامل، فعلى سبيل المثال، إذا تقدمت شركة ما بطلب لشراء 100 ألف برميل يومياً، فإن هذه الكمية تُقسم على شحنات توزع على مدار العام، وعند حلول الشهر المحدد، تقوم الشركة المُشترية بتحديد إحتياجاتها وفقاً للعقود المُبرمة مسبقاً، بما في ذلك تواريخ الشحن وأسماء السفن التي سترسو في الموانئ الليبية.
المؤسسة الوطنية للنفط تُشعر الشركات المعنية، سواء كانت مملوكة بالكامل لها أو شركات مشتركة، عبر إشعارات رسمية ترسلها إدارة التسويق الدولي، هذه الإشعارات تتضمن تفاصيل السفن، ومواعيد وصولها، ونوعية النفط المشحون، فعلى سبيل المثال، في شركة “سرت” بميناء البريقة، كنتُ شخصياً أتلقى هذه الإشعارات التي تُرسل بعد ذلك إلى إدارة التوثيق، حيث يتم تسجيل جميع البيانات المتعلقة بالسفن ونوعية النفط المشحون.
ضوابط ومعايير التسعير
تتم عمليات الشحن وفق معايير واضحة، حيث يُحدد عقد الشراء كميات الشحن بنسبة تذبذب معينة (+/- 10% أو 15%) مثلاً لـ 600 ألف برميل، وبعد إتمام الشحن، يتم توثيق الكمية الفعلية في شهادة المنشأ وقد تكون 615 ألف برميل أو أقل، والتي ترسل إلى إدارة التسويق الدولي في المؤسسة الوطنية للنفط، ليتم بناءً عليها فتح الإعتمادات المالية في المصارف الدولية، ومن ثم تحويل الإيرادات إلى مصرف ليبيا المركزي.
أما بخصوص التسعير، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يُباع النفط الخام للعام القادم في ظل تذبذب الأسعار العالمية؟ الإجابة تكمن في أن الأسعار تُحدد وفقاً لمتوسط سعر خام برنت، وهو خام القياس المعتمد دولياً، عند شحن النفط من موانئ مثل البريقة أو السدرة، يتم تثبيت تاريخ الشحنة في شهادة المنشأ، ومن ثم يُحتسب متوسط سعر برنت خلال فترة الشحن، بعض الخامات الليبية تُباع بسعر أعلى من برنت (Brent Plus)، نظراً لجودتها العالية وإحتوائها على مشتقات خفيفة مرتفعة الثمن، بينما قد تُباع خامات أخرى بسعر أقل، خاصةً إذا كانت تحتوي على شوائب تحتاج إلى معالجة إضافية في المصافي، وبالرغم أن النفط الليبي يعتبر (Brent Plus) بمعنى أن أسعارها تزيد عن سعر البرنت بدولار أو أكثر، فمعرفة السعر ومتى خروج الشحنة ليس بمُعضلة.
السوق المفتوحة والتصدير الإستثنائي
رغم أن معظم صادرات النفط الخام تتم وفق العقود السنوية، إلا أن هناك إستثناءات تُباع فيها بعض الكميات في السوق المفتوحة (Spot Market) عند وجود فائض، وقد يتم عرض هذه الكميات على الزبائن الحاليين بنفس أسعار السوق الفورية.
وحتى وقت قريب، كان تصدير النفط الخام مقتصراً بالكامل على المؤسسة الوطنية للنفط، ممثلةً في إدارة التسويق الدولي، ولكن في الفترة الأخيرة، بدأت ترد معلومات – لم يتم التأكد من صحتها بعد – حول تصدير كميات من النفط بترتيبات مالية تختلف عن النهج التقليدي الذي تتبعه المؤسسة، وترتيباتها المالية تختلف عن الترتيبات المالية المُتبعة بالمؤسسة الوطنية للنفط، وقد أُثيرت ضجة حول هذا الموضوع، خاصةً بعد الحديث عن تخويل إحدى الشركات بإجراء عمليات تصدير بالتعاون مع شركة الخليج العربي للنفط، وذلك ضمن نموذج جديد للإستثمار في الحقول النفطية، دون أي إيضاحات لبنود عقود المشاركة وعلى ماذا تنص بأحد الحقول المهمة بالدولة الليبية، وأصبح لديها نفط.
القرار الأممي 1970 والضوابط الدولية
القرار الأممي رقم 1970، الصادر عام 2011، يُحظر على أي كيان موازٍ أو فرد غير مُخول رسمياً من الدولة الليبية تصدير النفط أو مشتقاته، القرار يفرض عقوبات على أي جهة تتجاوز هذه الضوابط، وأرجعهم لمواد القرار 15،16،17،20،21، للقرار 1970 لسنة 2011م، في هذا السياق أُثيرت تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن الإبلاغ عن المخالفات، خاصةً مع الحديث عن تكليف الحكومة الليبية بهذا الدور، ومع ذلك، يبدو أن لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة لديها “نقطة إتصال” لمتابعة هذه التجاوزات، لكن من غير الواضح ما إذا كانت حكومة الوحدة الوطنية قد تولت هذا الدور بشكل فعلي.
الشفافية والجدل حول أسعار التصدير
خلال الفترة الأخيرة، تسربت عبر وسائل التواصل الاجتماعي وثائق تشير إلى أن جميع أنواع النفط الخام الليبي يتم بيعها بأسعار أقل من سعر برنت (Brent Minus)، وهو أمر غير مسبوق، حيث إن النفط الليبي كان يُباع عادةً بعلاوة سعرية فوق سعر برنت، إذا صحت هذه المعلومات، فإن ذلك يعني خسائر مالية كبيرة للبلاد.
مستقبل القطاع النفطي ومشاركة القطاع الخاص
رغم أن النفط يُعد المصدر الأساسي للدخل في ليبيا حتى الآن، إلا أن هناك دعوات لتطوير آليات إستثماره بشكل أكثر شفافية وكفاءة، في هذا السياق، طُرحت فكرة إشراك القطاع الخاص الليبي في إستثمار الحقول الصغيرة، التي تحتوي على إحتياطيات تقل عن 50 مليون برميل.
الفكرة تقوم على تمكين المستثمرين الليبيين من الدخول إلى هذا القطاع وفق ضوابط محددة، مع إشتراط توفر فرق عمل ذات خبرة فنية، إذا نُفذت هذه الفكرة بشفافية، فقد تمثل تحولاً إيجابياً.
لكن ما أثار الجدل هو أن إحدى الشركات الخاصة بدأت بالفعل في إنتاج النفط دون إعلان واضح عن آلية إختيارها، ومن خلال حقلين عملقين، مما يطرح تساؤلات حول مدى شفافية هذه العملية.
خاتمة
النفط في ليبيا ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو العمود الفقري للدولة.
لذا، فإن الحفاظ عليه وضمان إدارته بشفافية يُعد أمراً في غاية الأهمية، ليس فقط لضمان العوائد المالية، ولكن أيضاً للحفاظ على الإستقرار الاقتصادي والسياسي، في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل ستُحسم هذه القضايا داخلياً أم ستبقى رهينة التدخلات الخارجية؟.
ختاماً، نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير لوطننا، وأن يحفظ ليبيا وأهلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور منذر الشحومي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكر حزب السلام والازدهار على هذه الدعوة الكريمة.
قرارات مجلس الأمن والسيادة الليبية
لن أخوض في جميع بنود قرار مجلس الأمن رقم 2769، فقد تناولها الزملاء بشكل وافٍ، خاصة تلك التي لا أملك فيها خبرة مباشرة.
ولكن أود تسليط الضوء على نقطة محورية: وهو أن القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 2769 يعكس غياب السيادة الليبية حالياً وفقدان القدرة على إدارة مواردنا، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، من بينها سوء إدارة مجلس الأمن للملف الليبي على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية، وتخبطه على المستويات التقنية والعملية والقانونية.
على سبيل المثال، عند إصدار مجلس الأمن قراره الأول بشأن تجميد أصول المؤسسة الليبية للاستثمار، ورد فيه اسمها بصيغتين: “المؤسسة الليبية للاستثمار” و“LAFICO“، مما يدل على عدم فهم واضح لتركيبة المؤسسة ومكوناتها، كما أن الشركات التابعة للمؤسسة لم تكن كلها مشمولة بالتجميد، حيث تم إستهداف بعض الشركات مثل محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار والمؤسسة الليبية للاستثمار، بينما تركت شركات أخرى تعمل، مثل “Oil invest ” وشركة FMC Capital (التي أصبحت تُعرف اليوم بإسم “Silfum“).
قصور في فهم الاستثمارات الليبية
لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن تفتقر إلى المعرفة التقنية بمجال الاستثمار، فالاستثمار ليس مجرد فرع من الاقتصاد الكُلي، بل يتطلب معرفة دقيقة، وهو ما إنعكس في الصياغة غير المتقنة للقرارات، إذ تضمنت عبارات مثل “الحفاظ على الأموال الليبية”، دون تحديد واضح لما تعنيه هذه العبارة في العقود الاستثمارية، فمصطلح “الحفاظ على القيمة” لا يعني فقط حماية الأموال من الضياع، بل يتطلب الحفاظ على قيمتها السوقية ضد التآكل والتضخم، وهو ما لم يُراعه قرار الأمم المتحدة.
الخسائر الناجمة عن التجميد
من خلال دراستي للملف الليبي والاستثمارات الليبية، أرى أن الفرص الضائعة على ليبيا بسبب قرارات التجميد لا تقل عن (140 إلى 150 مليار دولار)، وهذه تقديرات متحفظة، ولو تم إتباع نهج استثماري إعتيادي، عبر توزيع الأصول بشكل متوازن بين الأسهُم والسندات والأصول البديلة (مثل العقارات والمشتقات)، لكانت قيمة أصول المؤسسة الليبية للاستثمار اليوم لا تقل عن (350 مليار دولار).
لكن بدلاً من ذلك، أدى تجميد الأصول إلى حرمان ليبيا من الإستفادة من هذا النمو، بل وتفاقم الأمر بسبب السياسات النقدية السلبية في أوروبا، حيث كانت أسعار الفائدة سالبة في بعض الفترات، وهذا يعني أن الأموال المجمدة لم تحقق أي عوائد، بل على العكس، فقدت قيمتها بسبب التآكل النقدي والفوائد السلبية، حيث كان يتم خصم مبالغ من الأرصدة المجمدة بدلاً من تحقيق فوائد عليها.
مؤشرات الأسواق وأداء الأصول الليبية
إذا نظرنا إلى أداء الأسواق منذ 2011 حتى اليوم، نجد أن مؤشر S&P 500 إرتفع بنسبة 420%، وهو مؤشر يقيس أداء السوق دون إدارة نشطة، أما مؤشر السندات العالمية (Global Aggregate Bond Index)، فقد إرتفع بنسبة 200% على الأقل.
وبناءً على هذه الأرقام، من المفترض أن تكون أصول المؤسسة الليبية للاستثمار اليوم أعلى بكثير مما هي عليه حالياً، ولذلك فإن آثار القرار هي عكس منطوقه.
تاريخ المؤسسة الليبية للاستثمار وتركيبتها
تم إنشاء المؤسسة الليبية للاستثمار في 2005، وأُعيد تنظيمها بشكل نهائي في 2008، لتكون مظلة لعدة أدوات استثمارية ليبية، من بينها:
1. لافيكو “LAFICO“، التي تم تقسيمها لاحقاً إلى قسمين.
2. محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار.
3. الشركة الليبية للاستثمار الخارجي (OIL Invest)، وهي الذراع الاستثمارية في قطاع النفط.
4. محفظة الاستثمار الداخلي.
كان الهدف من هذه البُنية الوصول إلى إدارة إستراتيجية متكاملة للأصول، وبدأ تنفيذ هذا النهج فعلياً قبل سنة 2011، لكن مع إندلاع الأزمة، توقف العمل على توحيد الأصول وإدارتها بكفاءة، بسبب خروج الكوادر والخبرات التي تم بناؤها، رغم أنها كانت بالإتجاه الصحيح لتكون إدارة فعالة.
إشكالية تجميد الأصول الليبية
في عام 2011، نص قرار مجلس الأمن على تجميد الأصول الليبية، ومعظمها كان في صورة أصول سائلة مثل السندات والأسهُم، ولكن القرار لم يتناول الأرباح الناتجة عن هذه الأصول، ولا الأموال التي ستتولد نتيجة استحقاق السندات، وفي عام 2014، تم إتخاذ قرار جديد بتجميد حتى الأرباح والعوائد الجديدة، دون مراعاة منطوق القرار الأصلي الذي كان يهدف إلى “الحفاظ على قيمة الأموال الليبية”.
نتيجة لذلك، بقيت الأصول المجمدة كما هي دون إعادة استثمارها، مما أدى إلى خسائر ضخمة، بل إن بعض الأموال الليبية كانت مكشوفة في أوروبا أكثر من أي قارة أخرى، وفي فترة من الفترات كانت أسعار الفائدة سلبية، أي أن البنوك كانت تقتطع أموالاً من الودائع بدلاً من تقديم فوائد عليها.
التخبط في التعامل مع العوائد والأرباح المجمدة
أحد الإشكاليات الكبرى التي واجهتها المؤسسة الليبية للاستثمار هي الغموض في قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأرباح الناتجة عن الأصول المُجمدة، فقرار التجميد الأصلي لم يتطرق إلى كيفية التعامل مع العوائد والأرباح السنوية أو الفوائد المُستحقة على السندات، مما أدى إلى فراغ قانوني إستغلته بعض الدول لتجميد حتى هذه الأرباح، مما زاد من حجم الخسائر.
الصراع القانوني والمشكلات الدولية
دخلت المؤسسة الليبية للاستثمار في نزاعات قانونية مع عدة دول، منها بلجيكا، حيث ظهرت قضايا تتعلق بمحاولة بلجيكا التصرف في بعض الأموال المجمدة، لكن المشكلة الأوسع تكمن في أن قرارات مجلس الأمن لم تكن واضحة المعالم، مما أدى إلى إلتباس في تنفيذها.
إطار إدارة الأصول الليبية
تم تصميم نظام إدارة الأصول الليبية وفق مبدأ الرخصة القانونية، أي أن أي تعامل مع الأصول يتطلب موافقة مجلس الأمن، إلا إذا لم يصدر رد خلال أسبوعين، فيُعتبر الطلب موافقاً عليه ضمنياً، غير أن أغلب الدول رفضت التعامل بهذا المبدأ، مطالبةً بموافقة صريحة من مجلس الأمن ولجنة العقوبات.
التأثير السلبي للقرارات الدولية
القرارات الأخيرة لم توجه لصالح الليبيين، إذ لا تزال هناك عوائق تمنع إعادة استثمار الأصول بشكل فعال، وهذه العراقيل تؤدي إلى خلل في التوازن الاستثماري للمحفظة، حيث لا يمكن للمؤسسة إعادة استثمار الأموال المجمدة في أدوات استثمارية جديدة تحقق عوائد مُستدامة.
الموارد المجمدة في المؤسسات المالية الدولية
تُقدر الأصول الليبية المجمدة لدى شركات استثمارية كبرى مثل J.P. Morgan، UBS وغيرهم بحوالي (20 مليار دولار)، هذه الأموال محكومة بعقود استثمارية تحدد آلية إدارتها والعوائد المتوقعة، غير أن العديد من هذه الشركات تنصلت من إلتزاماتها التعاقدية، بينما لم يقم مجلس الأمن بأي إجراءات للضغط على هذه الجهات لإدارة الأصول وفق العقود المبرمة.
العقبات أمام بناء القدرات الاستثمارية الليبية
إحدى الإشكاليات الجوهرية أن المؤسسة الليبية للاستثمار تسعى إلى بناء منظومات لإدارة الأصول، لكنها تواجه رفضاً دولياً بحجة أنها “جهة معاقبة”، وبذلك تُمنع من تطوير قدراتها المؤسسية، مما يعرقل قدرتها على استثمار أموالها بذكاء.
إشكالية الحوكمة الداخلية للمؤسسة الليبية للاستثمار
إلى جانب الإشكالات الخارجية، تعاني المؤسسة الليبية للاستثمار من إشكالات داخلية، أبرزها غياب رؤية إستراتيجية واضحة لإدارة الأصول السيادية، فلا توجد سياسة استثمارية محددة، ولم يتم منذ عام 2011، بل وحتى قبل ذلك، وضع إطار واضح يحدد أهداف الاستثمار، سواء كان الهدف هو تنويع الاقتصاد، أو حماية الأصول، أو تحقيق عوائد مالية مُستدامة.
ومن دون هذه السياسة، فإن المؤسسة تفتقر إلى الأساسيات التي تمكنها من إدارة أصولها بفعالية، وهو ما أدى إلى تكرار الصراعات القانونية بين مسؤوليها، حيث تناوب على رئاستها عدة أشخاص، مما كلف الدولة مئات الملايين من الدولارات في النزاعات القانونية دون تحقيق تقدم حقيقي في إستعادة السيطرة على الأصول.
غياب الرؤية الإستراتيجية في إدارة الاستثمارات
على مدار العشرين عاماً الماضية، لم يتم وضع سياسة استثمارية واضحة تحدد أهداف المؤسسة الليبية للاستثمار، وهذا القصور أدى إلى حالة من الجُمود الاستثماري، حيث لم يتم إتخاذ قرارات حاسمة بشأن توزيع الأصول أو تقييم أدائها بشكل دوري وفق المعايير العالمية.
غياب الشفافية وآليات التقييم
هناك قصور في الإفصاح عن أداء الأصول المجمدة، حيث لم تُنشر تقارير دورية واضحة عن المحفظة الاستثمارية للمؤسسة، كما أن ضعف البُنية الإدارية والفنية حال دون التقييم الدقيق لقيمة الأصول، مما تسبب في غياب رؤية واضحة حول الوضع المالي الحقيقي للصندوق السيادي الليبي.
فإحدى المشكلات الأخرى التي تواجه المؤسسة الليبية للاستثمار هي غياب الشفافية في تقييم الأصول، فهناك نوعان من الأصول:
- الأصول التي تديرها المؤسسة مباشرة.
- الأصول التي تديرها شركات خارجية لصالح المؤسسة.
لكن بسبب غياب الأنظمة المتطورة لمتابعة الأداء الاستثماري، فإن معظم الأصول لا تزال تُقيم وفقاً للقيمة الدفترية وليس وفقاً للقيمة السوقية.
في حالة الأصول العقارية، يتم تقييمها عادة سنوياً وفقاً لأسعار السوق، لكن بسبب ضعف آليات التقييم، فإن المؤسسة لم تنتقل بعد إلى هذا الأسلوب، مما جعل التقييمات غير دقيقة، وأدى إلى تقدير الأصول بأقل من قيمتها الحقيقية.
وختاماً، إن حل هذه الإشكاليات يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية والاستثمارية للمؤسسة الليبية للاستثمار، والتواصل بفعالية مع المجتمع الدولي للمطالبة برفع القيود غير المبررة على الأصول المُجمدة، كما ينبغي تطوير منظومات الحوكمة والشفافية، والإستفادة من المؤسسات الدولية لتطوير القدرات الاستثمارية المحلية، بما يحقق أقصى إستفادة من هذه الأصول لخدمة الاقتصاد الليبي.
إجمالاً، فإن الأزمة التي تواجهها المؤسسة الليبية للاستثمار هي مزيج من الإشكالات التقنية والإدارية والسياسية، حيث تتداخل العوامل المحلية والدولية في تعقيد مسألة إدارة الأصول المُجمدة، ومن الضروري أن يكون هناك تحرك جاد من الجهات الليبية للمطالبة بحقوقها، ووضع إستراتيجية واضحة لإستعادة السيطرة على الاستثمارات، بدلاً من البقاء في حالة من الجمود التي تسببت في خسائر هائلة على مدار السنوات الماضية.
أشكركم على حُسن الاستماع، وسأكون سعيداً بالإجابة على أي مداخلات بعد إنتهاء المتحدثين الرئيسيين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور محمد أبو سنينة
قراءة تحليلية لقرار مجلس الأمن رقم 2769 وتداعياته على السيادة الاقتصادية الليبية
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في مستهل هذه الكلمة، لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الإمتنان لحزب السلام والازدهار وصالونه الثقافي، على دعوتهم الكريمة وإتاحة هذه المنصة الرفيعة للحوار والمداولة، وسط نخبة من الخبراء والمتخصصين، لمناقشة قضية غاية في الأهمية ترتبط إرتباطاً مباشراً بمستقبل ليبيا وأجيالها القادمة.
السياق الدولي للقرار وتجليات الرعاية الخارجية
لابد من التأكيد إبتداءً أن موضوع مداخلتنا اليوم لا يتعلق بتقييم أداء المؤسسات الليبية القائمة، سواء المؤسسة الليبية للاستثمار أو المؤسسة الوطنية للنفط، فالمسألة التي نحن بصددها تتجاوز النقاش حول كفاءة هذه المؤسسات من عدمها، إذ ينصب تركيزنا على قراءة متأنية ومعمقة لقرار مجلس الأمن رقم 2769، بكل ما يحمله من مضامين ودلالات.
من نافلة القول إن القرار لم يتضمن أي تقييم مباشر لعمل هذه المؤسسات، بل إقتصر على تجديد الإطار الدولي المنظم للأصول الليبية المجمدة، وربما يمكن أن تُستشف منه بعض المؤشرات بشأن النظرة الأممية للوضع الليبي.
وبحسب قراءتي الشخصية المتواضعة، فإن هذا القرار، بعد مرور أربعة عشر عاماً على صدور القرار الأول عام 2011، يعكس حقيقة مؤلمة مفادها أن المجتمع الدولي ما زال ينظر إلى ليبيا بإعتبارها دولة غير مؤهلة للإعتماد على ذاتها، ولا يزال غير مطمئن لقدرة النُخب السياسية الليبية على قيادة البلاد نحو الإستقرار والتنمية.
القرار ليس سوى تأكيد متجدد للقرارات السابقة، وتذكير صريح بأن ليبيا ما زالت محل إهتمام ومراقبة دولية، رغم تعدد الإنتهاكات التي طالت قرارات الحظر، سواء ما كان منها معلناً أو ما يزال قيد التحقيق.
إن ليبيا، وبقراءة موضوعية، ما تزال واقعة تحت مظلة رعاية دولية، ليست وصاية بالمعنى القانوني المباشر، لكنها شكل من أشكال الرقابة المكثفة التي تقيد القرار السيادي الليبي، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتمنح المجتمع الدولي ومجلس الأمن دوراً محورياً في صياغة مخرجات المشهد الليبي.
تجديد صلاحيات لجنة الخبراء وتعزيز الرقابة
من أبرز ما تضمنه القرار، إعادة التأكيد على صلاحيات لجنة الخبراء الأممية، وهي اللجنة المعنية برصد تطبيق العقوبات والإجراءات المفروضة على ليبيا، كما أسند إليها القرار مهاماً إضافية تتعلق بمتابعة إدارة واستثمار الأموال المُجمدة، بما يعزز الرقابة الأممية على هذا الملف الحساس.
توقيت القرار ودلالاته السياسية
يبقى السؤال الجوهري: لماذا صدر القرار في هذا التوقيت تحديداً؟
طرح بعض الزملاء، ومنهم الدكتور علي سعيد، رأياً مفاده أن القرار جاء إستعداداً لإحتمال إندلاع حرب جديدة، غير أنني أرى عكس ذلك تماماً؛ فالقرار – في تقديري – يمثل إستعداداً لمرحلة سياسية قادمة، قد تشهد تشكيل حكومة جديدة، سواء بتوافق (ليبي- ليبي) أو بتدخل دولي، لكن هذه الحكومة، أياً كانت، لن تتمتع بحرية التصرف المطلقة، إذ ستظل محكومة بسقف القيود المفروضة على أهم قطاعين في الاقتصاد الليبي: النفط والاستثمارات الخارجية (المؤسسة الليبية للاستثمار).
من هذا المنظور، أعتقد أن القرار لم يُصدر تحضيراً لصراع، بل لضبط المشهد القادم ومنع أي حكومة مستقبلية من التصرف المستقل في الموارد السيادية.
قراءة واقعية لموقف القرار من المؤسسة الليبية للاستثمار
هل يمكن إعتبار القرار الجديد مكسباً لليبيا؟
الإجابة ببساطة: لا.
فالقرار لم يفتح أي منفذ اقتصادي جديد أمام الدولة الليبية، ولا يُتوقع أن يُحدث فارقاً ملموساً في الوضع المالي أو التنموي.
لو أن المؤسسة الليبية للاستثمار إضطلعت سابقاً بدورها المفترض كصندوق سيادي، لدعمت الميزانية العامة، أو ساهمت في معالجة العجز المالي، لكن هذا لم يحدث يوماً.
فمنذ تأسيسها لم تقدم المؤسسة أي إيرادات تذكر للخزانة العامة، ولم تُستخدم كأداة لحماية حقوق الأجيال القادمة كما كان مأمولاً.
وبالتالي، فإن القرار الأممي لم يغير شيئاً جوهرياً في هذا السياق، ولم يأتِ بحلٍ لمعضلة الإنفاق العام أو لتوظيف الأصول الليبية المجمدة لصالح الاقتصاد الوطني.
الأصول السائلة والمُجمدة – واقع مرير
ينص القرار على أن الأصول السائلة النقدية – تحديداً الودائع تحت الطلب المودعة في مصارف دولية – قد أصبحت من الناحية النظرية أكثر قابلية للتحريك، إلا أن القيود لم تُرفع فعلياً عنها، إذ بقيت خاضعة للتجميد، بما في ذلك الأرباح والعوائد التي تحققها.
أما الأصول غير السائلة، كالعقارات والمحافظ الاستثمارية، فقد ظلّ وضعها مُجمداً بالكامل.
وقد تبادر إلى ذهن البعض أن هذه الإجراءات تعكس حرص المجتمع الدولي على حماية الأموال، غير أن الحقيقة الأرجح أن هذه التشديدات تنبع من مخاوف دولية من تسرب هذه الأموال إلى أطراف غير مشروعة، أو من أن تقوم بعض الدول بإستخدامها كوسيلة لتعويضات مفترضة.
الواقع أن مجلس الأمن شدد القيود ليجعل من تحريك هذه الأموال أمراً بالغ التعقيد، حيث إشترط أن تعرض أي عملية استثمارية على لجنة العقوبات للحصول على الموافقة المُسبقة، مما يؤكد محدودية دور المؤسسة الليبية للاستثمار وإستمرار فقدان الثقة الدولية في قدرتها على إدارة هذه الأصول بكفاءة.
تناقضات القرار وتضييق الخيارات
من أبرز مفارقات القرار أنه يدعو إلى استثمار الأصول المجمدة بأقل مخاطرة وبأفضل عائد، لكنه يشترط أن تتم تلك الاستثمارات داخل الدول التي توجد فيها الأصول حالياً، بغض النظر عن إستقرار تلك الدول أو ملاءمتها الاستثمارية.
فكيف يُطلب من المؤسسة الليبية للاستثمار أن تستثمر في بيئات غير مستقرة، وربما محفوفة بالجريمة المنظمة والفساد؟
بل والأدهى أن القرار يمنع نقل الأصول من دولة إلى أخرى، حتى داخل الإتحاد الأوروبي، مما يقيد حركة الأموال ويزيد من تعقيد إدارتها.
غياب الشفافية في أداء المؤسسة الليبية للاستثمار
ثمة حقيقة لا يمكن التغاضي عنها، وهي أن المؤسسة الليبية للاستثمار تفتقر لأدنى معايير الشفافية.
فأنا، كمراقب ومهتم بهذا الملف، لم أطلع يوماً على تقرير سنوي صادر عنها، كما لم تُعقد جمعيتها العمومية بشكل منتظم، ولم تقوم بعرض بياناتها المالية على الشعب الليبي، والذي هو المالك الحقيقي لهذه الأموال.
تقييمات ما بعد عام 2011 أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن المؤسسة تكبدت خسائر فادحة نتيجة سوء الإدارة والصراع على إدارتها.
وبالتالي، فإن القرار الأممي جاء ليُعيد التأكيد على إستمرار تجميد الأموال، مع تشديد أدوات الرقابة الدولية، دون أن يقدم أي حل عملي يُخرج هذه الأصول من حالة الجمود.
المؤسسة الوطنية للنفط والخروقات الأخيرة
أما بالنسبة للمؤسسة الوطنية للنفط، فقد جاء القرار إستجابةً لما سُجل أو لوحظ من خروقات وتجاوزت خطيرة في تصدير النفط خلال الفترة الأخيرة.
وقد إلتبس على البعض فهم نص القرار، متسائلين كيف يمنع القرار إستيراد النفط الخام بينما ليبيا مصدرة له؟
والحقيقة أن القرار خاطب الطرفين: ليبيا بصفتها دولة مُصدرة، والدول التي تستورد النفط الليبي، إذ نصّ على ضرورة منع أي تصدير أو إستيراد غير مشروع للنفط الخام ومشتقاته.
السياق الذي جاء فيه هذا التشديد يرتبط بإنخفاض الإيرادات النفطية، رغم إرتفاع الإنتاج إلى قرابة 1.2 مليون برميل يومياً، وسعر البرميل الذي يتجاوز 70 – 80 دولاراً.
ومع ذلك، فإن المصرف المركزي لم يتلقّ سوى 500 مليون دولار فقط، ما يؤشر إلى وجود تسربات خطيرة في العائدات النفطية.
خاتمة
خلاصة القول، أن قرار مجلس الأمن رقم 2769 لم يأتِ بجديد يُذكر لليبيا، بل أعاد تثبيت واقع مرير عنوانه: إستمرار الوصاية الدولية، وتقييد القرار السيادي، وبقاء الأموال الليبية مُجمدة تحت رقابة ورعاية دولية صارمة.
هذا الواقع مؤسف بكل المقاييس، بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على إندلاع الأزمة الليبية، وما زال الطريق أمامنا طويلاً لإستعادة القرار الوطني الكامل.
أسأل الله أن يكتب الخير لليبيا وشعبها، وأشكركم على سعة صدوركم وحسن إستماعكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور عزيز الدين عاشور
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
في مستهل حديثي، لا يسعني إلا أن أتوجه بجزيل الشكر والتقدير لحزب السلام والازدهار على هذه المبادرة الطيبة، التي جمعتنا اليوم في هذا اللقاء الحواري النوعي لمناقشة أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسيةً بالنسبة للدولة الليبية: ملف الأصول الليبية المجمدة، والرقابة الدولية المتزايدة على الاقتصاد الليبي.
إنني، في هذه المداخلة، سأحاول تسليط الضوء على جانب آخر من جوانب الأزمة، قد لم يُعطَ ما يكفي من الاهتمام، رغم خطورته وأثره العميق على الحاضر والمستقبل الاقتصادي للبلاد.
هواجس المجتمع الدولي من الاقتصاد الليبي غير النظامي
لا شك أن ليبيا، في عيون المجتمع الدولي، تُعد دولةً ذات ثروة مالية معتبرة، إذ تُقدّر الأصول الخارجية للدولة الليبية بأكثر من 100 مليار دولار أمريكي، فيما يتجاوز حجم السيولة النقدية المحلية 70 مليار دينار ليبي، لكن ما يثير القلق الدولي ليس حجم هذه الأموال فحسب، بل طبيعة البيئة المالية التي تُدار فيها.
لقد بات واضحاً أن جزءاً كبيراً من الحراك المالي الليبي يتم خارج المنظومة المصرفية الرسمية، ما يجعل حركة الأموال غير قابلة للتعقب أو التتبع بسهولة، وفي نظر المؤسسات الدولية الكبرى، هذا الوضع يفتح الباب واسعاً أمام أنشطة غسل الأموال وتمويل الاقتصاد غير المشروع، وهو ما دفع بعض الجهات الدولية إلى تصنيف ليبيا ضمن أكثر البيئات هشاشةً في هذا الجانب.
وليس من المبالغة القول إن شركات وأفراداً داخل ليبيا يديرون معاملاتهم بمليارات الدولارات، دون أن يكون لهم حسابات مصرفية محلية أصلاً، في ظل هذه الفوضى المالية، تصبح المخاوف الدولية مبررة، وتصبح الإجراءات المشددة التي يتخذها مجلس الأمن مفهومة في سياقها.
مؤسستان فقط حافظتا على الحد الأدنى من الإستقرار
رغم كل التحديات والإنقسامات التي عصفت بالبلاد طيلة السنوات الماضية، إستطاعت مؤسستان ليبيتان أن تحافظا -إلى حد ما- على تماسكهما وتسيير عملهما وفق الأطر القانونية والمالية الدولية، وهما:
- مصرف ليبيا المركزي.
- المؤسسة الوطنية للنفط.
وللتذكير، ففي أعقاب أحداث عام 2011، كان هناك سعيٌ دوليٌ حثيث للسيطرة على الأموال الليبية، خصوصاً أرصدة المصرف المركزي والمؤسسة الليبية للاستثمار، ولما تم الرجوع إلى صندوق النقد الدولي، جاءت توصياته كالتالي:
- فيما يخص المصرف المركزي الليبي، تبين بشهر نوفمبر عام 2011 أن بياناته المالية كانت واضحة ومتدفقة بصورة منتظمة، مما شجع المجتمع الدولي على رفع التجميد عن جزء من إحتياطياته.
- أما المؤسسة الليبية للاستثمار، فقد بدت معزولة عن معايير الشفافية والحوكمة، فإستمر التجميد على أصولها الخارجية.
غير أن الصورة قد إزدادت قتامةً بعد مرور أربعة عشر عاماً؛ حيث توقفت معظم البنوك الدولية الكبرى عن التعامل مع ليبيا، ومن بينها:
- بنك باركليز.
- بنك إتش إس بي سي (وهو من أكبر المصارف في ألمانيا).
اليوم، لم يتبقَّ من القنوات المالية الدولية التي تتعامل مع ليبيا إلا بنك جي بي مورجان وعدد قليل من المصارف الأوروبية ذات التأثير المحدود مثل بنك إنتيزا وبعض المصارف الصغيرة جداً.
التشديد الأمريكي على المعاملات المالية الليبية
الأمر لم يتوقف عند انسحاب البنوك الكبرى فحسب، بل إن الإجراءات الرقابية الأمريكية زادت تشديداً، خاصة من قبل الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الذي فرض شروطاً صارمة على التحويلات المالية الليبية بالدولار الأمريكي، من أبرزها:
- إشتراط تعيين شركة مالية وسيطة معتمدة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية للإشراف على جميع المعاملات المالية الليبية بالدولار.
- التحذير بأنه في حال عدم الالتزام بهذا الشرط، فإن جميع التحويلات الليبية بالدولار ستتوقف فوراً، مما سيضطر البلاد إلى إستخدام اليورو، وهو خيار محفوف بالتعقيد والمخاطر.
والمؤسف أن الحكومة الليبية، حتى اللحظة، لم تُبدِ أي مبادرة فعلية أو جادة للتعامل مع هذا التحدي الخطير.
تضخم الاقتصاد غير الرسمي وتفاقم المخاطر
التهديد الأخطر يتمثل اليوم في تنامي الاقتصاد الموازي داخل ليبيا، الذي تغذيه المعاملات النقدية المباشرة خارج النظام المصرفي، فقد أصبحت السوق الليبية مرتعاً لشركات أجنبية وأطراف محلية تمارس تبييض الأموال دون أي عوائق حقيقية، في ظل ضعف أدوات الرقابة وإنعدام الشفافية.
هذا الوضع يثير قلق المجتمع الدولي بوجهٍ خاص، ويُفسر سلسلة القرارات التي يصدرها مجلس الأمن الدولي، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى تشديد الرقابة المالية على ليبيا.
ونحن اليوم، في عام 2025، لا نزال عاجزين عن التوافق على ميزانية وطنية موحدة، ولا على حكومة مركزية موحدة، ويقف مصرف ليبيا المركزي حائراً، لا يدري أي حكومة يمول: هل هي حكومة الشرق أم حكومة الغرب؟
هذا الواقع المتأزم يُنذر بإنهيار أكبر إذا لم يتم تداركه بشكل عاجل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
في ختام هذه المداخلة، لا يسعني إلا أن أشكر الدكتور عزالدين عاشور على تحليله الواضح والصريح، الذي كشف عن عمق المخاطر المالية التي تحيط بليبيا، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.
لقد أكد الدكتور عزالدين عاشور ، كما أكد الزملاء الذين سبقوه، أن القبضة الدولية على موارد ليبيا المالية تزداد إحكاماً يوماً بعد يوم، وأن أي حديث عن رفع التجميد عن أصول المؤسسة الليبية للاستثمار، دون معالجة القيود المفروضة على إدارتها، لن يكون له أثر فعلي على الاقتصاد الوطني.
خلاصة التعليق
إن الصورة التي تتكشف أمامنا بوضوح شديد تنذر بمستقبل أكثر تعقيداً ما لم يتحرك الليبيون، بكافة أطيافهم، بشكل عاجل ومسؤول لإصلاح الوضع المالي والمؤسسي للدولة، التأخر أكثر يعني الإنزلاق نحو نقطة اللاعودة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الأستاذ عبدالدائم الغرابلي
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكر حزب السلام والازدهار على دعوتي الكريمة، ولن أطيل الحديث لسببٍ رئيسي، وهو أن الزملاء الذين سبقوني قد تناولوا الجوانب القانونية بإسهاب، فقد قدم الأستاذ أحمد المسلاتي العديد من الملاحظات التي كنت أُعدُ نفسي لطرحها، وقد عبَّر عنها بشكلٍ ممتاز، كما أبدى المهندس أحمد عون ملاحظاتٍ قيمة، وأعطى نبذةً وافيةً عن عملية بيع النفط، والأسباب أو المبررات التي دفعت مجلس الأمن إلى التركيز في قراره الأخير على حظر التصدير غير المشروع للنفط.
الإشكالية في التصدير غير المشروع للنفط
هنا تكمن الإشكالية؛ فالقرار يتحدث عن التصدير غير المشروع للنفط، لكننا لاحظنا في السنوات السابقة أنه عندما كانت هناك إرادة قوية من المجتمع الدولي لمنع هذا التصدير، تمكنت الدول من فرض قراراتها، فمثلاً، خرجت سفينة من أحد الموانئ الليبية ولم تتمكن من مغادرة المياه الإقليمية الليبية، مما يدل على وجود إرادة دولية حقيقية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، بعد ذلك، لم نسمع عن أي محاولات لتصدير النفط بشكل غير مشروع.
المشكلة الحقيقية: التصدير “المشرعَن”
المشكلة التي نعيشها الآن ليست في التصدير غير المشروع، بل في التصدير “المشرعَن”، الذي يتم عبر آليات غامضة وترتيبات غير واضحة لا يفهمها الليبيون، سواءٌ كانوا من العاملين في صناعة النفط أو عامة الشعب.
وكما ذكر الدكتور محمد بوسنينة، فإن إنتاجنا النفطي يبلغ مليوناً ومئتي ألف برميل، بينما يصل الدخل إلى المصرف المركزي 500 مليون دولار فقط!، وهذا يعني وجود تسرب في آلية توزيع العوائد، بل إنه شكل من أشكال تهريب أموال النفط.
فعندما توقف تصدير النفط عبر الموانئ الليبية في العام الماضي، فوجئنا بخروج سفينتين من موانئ محددة في فترة كان من المفترض فيها أن يكون التصدير متوقفاً، بينما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة القوة القاهرة، ثم هناك حالات أخرى يتم فيها تصدير شحنات نفطية، وتُصدر المؤسسة الوطنية للنفط بياناً تؤكد فيه أن هذه الشحنة خرجت بموافقتها، فلا يتم إعتراضها، لكن السؤال المهم: أين ذهبت عوائد هذه الشحنات؟
منح شركة خاصة حصصاً في حقول النفط العملاقة
ثم ظهرت قصة غريبة أخرى، وهي منح شركة خاصة محلية نسبة 40% من حصص حقلين عملاقين من حقول النفط الليبية بقرارٍ من مجلس الوزراء!، وهذا يعني أن مجلس الأمن يركز على منع التصدير غير المشروع، بينما يتم التلاعب بثروة البلاد عبر قنوات “مشرعنة”، وهذا أمرٌ لم يتصدى له قرار مجلس الأمن.
حظر توريد الأسلحة: بين التناقض والغموض
أما فيما يتعلق بحظر توريد الأسلحة، فالحمد لله أن القرار لم يفتح الباب أمام الحكومات الليبية لإستيراد الأسلحة، لأننا لا نحتاج إلى المزيد منها، ولدينا ما يكفي لقتل بعضنا بعضاً!، لكن الغريب في القرار أنه سمح بوجود الأسلحة والعتاد المرتبط بها “المخصص للأغراض الدفاعية”، بشرط أن تبقى على متن السفن أو الطائرات في جميع الأوقات أثناء وجودها المؤقت في ليبيا، أو بحوزة أفرادٍ غير ليبيين أثناء نزولهم المؤقت، فما معنى هذا؟،هذا يعني أن الدول الكبرى فتحت المجال لنفسها لإدخال أسلحتها ومعداتها العسكرية إلى ليبيا، بشرط ألا تُسلم للأطراف الليبية، أي أنها تريد أن تكون قادرةً على تنفيذ أي تدخل عسكري متى شاءت، دون أن تسمح لليبيين بالحصول على هذه الأسلحة، وهذا يُعتبر أيضاً شرعنةً للوجود العسكري الأجنبي في ليبيا، رغم أن القرار نفسه يدعو في فقرات أخرى إلى سحب القوات الأجنبية والمرتزقة!، وهذا تناقضٌ واضحٌ ناتج عن توافقات المصالح بين الدول الكبرى.
قرار مجلس الأمن: تهديدات بلا آليات تنفيذ
كما أشار الدكتور أحمد الجهاني، فإن القانون الدولي يقوم على الأعراف والمعاهدات والإتفاقيات الدولية، ولديه آليات عقابية لضمان تنفيذها، خاصةً عندما يصدر القرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما يعني أن مجلس الأمن يمتلك أدوات لفرضه، لكننا نلاحظ أن القرار خالٍ من أي آليات تنفيذ فعلية، فهو مليء بالتهديدات دون وجود إجراءات واضحة.
فمثلاً، يتحدث القرار عن فرض عقوبات على الأفراد والكيانات الليبية الداعمة للإرهاب أو التي تعيق الإنتخابات، لكنه لا يوضح الكيفية التي سيتم بها ذلك، وهذا يدل على أن الدول العظمى لم تتفق بعد على إتخاذ إجراءات صارمة لحل الأزمة الليبية، بل ما زالت تُدير الأزمة حتى تصل إلى توافقٍ كاملٍ حولها، وهذا التوافق لم يتحقق حتى الآن.
أشكركم على حسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
شكراً لك أستاذ عبد الدائم الغرابلي، من الواضح أن هناك إشكاليات قانونية في القرار، وقد حاول الأستاذ الغرابلي قراءة ما بين السطور، مما يدل على وجود نوايا مبيتة خلف صدور هذا القرار.
لكن على الأقل، فإن صدور هذا القرار بالإجماع في مجلس الأمن يُعد أمراً إيجابياً، وإن كان مثيراً للشك، ومع ذلك، يبدو أن الليبيين قد غفلوا عن إستشعار بعض الأمور المهمة في مثل هذه المواقف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور محمد الصغير
أشكر حزب السلام والازدهار على هذه الدعوة الكريمة، وعلى عادته في تنظيم هذه الأمسيات والحوارات البناءة، وأطمئنكم منذ البداية بأنني لن أطيل الحديث، خاصةً وأنني آخر المتحدثين، وسأترك المجال مفتوحاً للنقاش.
فلقد إستوفى الإخوة والأساتذة – ولا سيما القانونيون منهم مثل الأستاذ أحمد المسلاتي والأستاذ عبد الدائم الغرابلي – الجوانب القانونية بإسهاب، ولأجل الإختصار، سأركز حديثي على ثلاث نقاط رئيسية:
أولاً: التركيز على نص القرار الدولي
أؤكد ما ذكره الدكتور محمد بوسنينة من أن هذه الجلسة مخصصة لمناقشة القرار الدولي، وإن توسع النقاش ليشمل قضايا أخرى، ومن منطلق خبرتي الوظيفية السابقة، فإنني عندما أتعامل مع أي مسألة قانونية، أبدأ أولاً بدراسة النص نفسه، لذا، عندما دُعيت للمشاركة في هذه المناقشة، توجهت إلى قراءة القرار بتمعن.
وما لفت انتباهي هو أن القرار ينص على:
“إذ يقرر أن الحالة في ليبيا لا تزال تشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، وإذ يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.”
ملاحظة لغوية وقانونية:
الميثاق الدولي لا يستخدم مصطلح “السلام”، بل “السلم والأمن”، وهناك فرق بين المصطلحين، فـ”السلم” هو نقيض الحرب، أما “السلام” فهو مفهوم أوسع، ومع ذلك، فإن القرار إستخدم كلمة “السلام”، وهو أمر يستحق التوقف عنده.
ثانياً: الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة – متى يُطبق؟
يتصرف مجلس الأمن بموجب الفصل السابع عندما يقرر أن هناك تهديداً للسلم أو خرقاً له، أو عملاً عدوانياً، وتحدد المادة (39) من الفصل السابع الشروط اللازمة لتطبيقه، وهي:
- وجود وقائع محددة (زمانياً ومكانياً).
- أن تصل هذه الوقائع إلى مستوى يهدد السلم والأمن الدوليين.
إذن، يجب أن تكون هناك أدلة واضحة على تهديد حقيقي لكي يظل الوضع خاضعاً للفصل السابع.
السؤال المهم:
القرار نفسه يقول إن العملية السياسية في ليبيا “يقودها الليبيون وتيسرها الأمم المتحدة”، فإذا كان الليبيون هم من يقودون العملية، فلماذا لا نزال تحت الفصل السابع؟
في عام 2011 هناك مبررات، وكانت هناك مبررات عامي 2014، 2015 مثل إنتشار داعش وغيرها، لكن اليوم، ما هو التهديد الدولي الذي يجعل ليبيا تحت هذا البند؟ يجب أن تعلو الأصوات الليبية المطالبة بإنهاء هذا الوضع.
ثالثاً: إلى متى تظل ليبيا تحت رحمة القرارات الدولية؟
- الأموال المجمدة: لقد أودعنا أموالنا لدى المجتمع الدولي لضمان إستقرارنا، لكنها تُهدر وتتآكل بمرور الوقت، لماذا لا نطالب بإدارتها بطريقة ذكية؟
- دور الأمم المتحدة: إلى متى سيستمر تبديل المبعوثين وتجديد المهام دون تقديم حلول حقيقية؟ نحن لسنا بحاجة إلى من يُدير الأزمات، بل إلى من يقدم الحلول.
الخاتمة ونداء للعمل
أدعو حزب السلام والازدهار والحاضرين إلى اتخاذ خطوات عملية، مثل:
- إصدار بيان رسمي يطالب برفع ليبيا من تحت الفصل السابع.
- تقديم مذكرة إلى المجلس الرئاسي أو الحكومة للمطالبة بإنهاء هذا الوضع.
- الضغط على الأمم المتحدة لتقديم حلول حقيقية بدلاً من إدارة الأزمة.
نحن بحاجة إلى صوت وطني موحد يرفض الإستمرار في هذا الوضع غير المُبرر.
أشكركم على حسن إستماعكم، وأعتذر إن كنت قد أطلت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
شكراً دكتور محمد الصغير، وأقدّر لك تركيزك على الروح الوطنية في حديثك، أتمنى أن نتمكن من ترجمة هذه الروح إلى أفعال ملموسة، ولو على نطاق محدود، فإصدار بيان من الحزب أو الحاضرين خطوة جيدة، لكن العالم للأسف ينظر إلى إعتبارات أخرى.
للأسف، ما لم يُعبر الليبيون جميعاً عن موقف موحد – وهو أمر يبدو صعباً في الوقت الحالي – فإن تأثيرنا سيبقى محدوداً، لكن هذا لا يمنعنا من المحاولة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المُداخـــــلات
مداخلة المهندس محمد خالد الغويل رئيس حزب السلام والازدهار
(3:02:52)
مقدمة
في البداية، أود أن أتوجه بجزيل الشكر لجميع الإخوة الذين قدموا مداخلات قيمة تناولت مختلف الجوانب القانونية، الاقتصادية، الاستثمارية، والنفطية، ولا تزال هناك جولة أخرى ستشمل قراءات عسكرية وأمنية لهذا القرار، إضافة إلى تحليل سياسي معمق.
قرارات مجلس الأمن: تكرار بلا تغيير؟
لقد إستفدنا كثيراً اليوم من هذه القراءات، وأرى أن ما طرحه الدكتور أحمد الجهاني يمكن أن يكون خلاصة دقيقة للوضع الحالي، إذ شبهه بفكرة “هوتيل كاليفورنيا” (You can check out, but you can never leave)، أي أنه بإمكانك تسجيل خروجك، لكنك لا تستطيع المغادرة فعلياً، وهذه هي معضلة قرارات مجلس الأمن، حيث نرى اليوم صدور حوالي 48 قراراً بشأن ليبيا منذ القرار رقم 1970 لعام 2011، مع تعيين عشرة مبعوثين دوليين، وتكرار مستمر لنفس المقاربات.
هذا القرار الجديد يُعيد التأكيد على قرارات سابقة، بعضها محدد وصارم، وهذا أمر متوقع في ظل الأوضاع الدولية الراهنة التي تشهد تفاعلات معقدة وتناقضات كبيرة.
أهمية التحليل الاستراتيجي لقرارات مجلس الأمن
من الأهمية بمكان أن تقوم المؤسسات الليبية، أياً كانت، بتحليل دقيق لكل قرارات مجلس الأمن الـ 48 المتعلقة بليبيا، فالمؤسسة الرسمية تمتلك أدوات دبلوماسية مثل السفارات، السفراء، والمندوب الليبي في بعثة الأمم المتحدة، ويجب إستخدامها بفعالية لوضع إستراتيجية وطنية تهدف إلى إستعادة القرار الليبي، هذه الإستراتيجية لا تعني إسترجاع القرار في يوم وليلة، لكنها تحتاج إلى رسم مسار واضح بمراحل محددة وأدوات مدروسة، مستعينة بالخبرات القانونية، الاقتصادية، المالية، وحتى العسكرية الليبية.
ضرورة التحرك الجاد لإنهاء التبعية الدولية
إن القضية الجوهرية اليوم هي إستعادة الليبيين لقرارهم السيادي، ولو إستغرق ذلك عقداً من الزمن، المهم أن نبدأ، ونتفق على هذا المسار، ونشرع في تنفيذه بإستخدام أدوات الدولة، فليس من المعقول أن تستعمل الدولة مواردها لضرب نفسها، لقد شهدنا إستخدام الموارد المالية، البشرية، والتسليحية في صراعات مُدمرة، أفقدتنا الإستقرار ودمرت مُدننا، فهل يُعقل أن نستمر في هذا الإنتحار الجماعي بعد 14 عاماً من الفوضى؟ حان الوقت للإستفاقة من هذا العبث.
خطورة الصياغات الجديدة في قرارات مجلس الأمن
عندما صدر القرار الأخير رقم 2769، لم يلقَ الإهتمام الكافي من الليبيين، رغم خطورته.
فهذه أول مرة يُصرح فيها بأن “مجلس الأمن يتصرف تحت الفصل السابع” منذ عام 2011، وبعد مراجعة القرارات الـ 48 في الساعات 48 الماضية، لم أجد هذه الصياغة مستخدمة منذ سبتمبر 2011، بل إن هناك جدلاً دام سنوات حول خروج ليبيا من تحت الفصل السابع، رغم أن بعض القرارات في عام 2015 أشارت إلى أن ليبيا تهدد الأمن والسلم الدوليين، وهو ما فُسِر حينها بوجود تنظيم داعش.
لكن الجديد هنا أن القرار يذكر صراحة أن “مجلس الأمن يتصرف تحت الفصل السابع”، وهو تطور خطير.
لذلك، أتفق مع قراءة الدكتور علي البرغثي بضرورة التعامل بحذر، وأؤيد ما طرحه الأستاذ عبد الدايم الغرابلي حول وجود صياغات غامضة في القرار، مثل السماح للمساعدات الإنسانية بالدخول إلى ليبيا مصحوبة بالسلاح! كيف يمكن تفسير ذلك؟ من غير المقبول أن يظل الليبيون عاجزين بينما يتحرك الآخرون وفق خطط مجهولة الأهداف.
المسؤولية التاريخية للسلطات الليبية
أدعو السلطات الليبية، سواء كانت سلطات أمر واقع أو شرعية أو ناقصة الشرعية، إلى التعامل مع هذا الملف بجدية، إنها مسؤولية تاريخية تستوجب وضع مسار واضح لإسترجاع القرار الليبي، حتى وإن استغرق ذلك وقتاً طويلًا.
المطلوب هو إستراتيجية واضحة، يتم فيها توزيع الأدوار، والإستفادة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية المُتاحة، بدلاً من تبديد الموارد في صراعات عبثية.
من غير المقبول أن تنفق السلطة القائمة اليوم أكثر من 1000 مليار دينار ليبي بين عامي 2012 لغاية اليوم، وتغير سعر الصرف ثلاث مرات، ما أدى إلى إنخفاض القدرة الشرائية للمواطن بنسبة 80%، في حين تبقى عاجزة عن إتخاذ قرارات مصيرية تحمي سيادة البلاد.
ختاماً: دعوة لوقف العبث وتحمل المسؤولية
لقد آن الأوان لوقف هذا العبث وتحمل المسؤولية، الفارق بين المسؤول والمواطن العادي هو أن المسؤول يجب أن يستشعر واجبه تجاه وطنه وأجيال المستقبل: أما ما نشهده اليوم، فهو حفلة إنتحار جماعي يجب أن تتوقف فوراً.
شكراً جزيلاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

