تابعنا ما أُعلن عن توقيع لجنة «4+4» بالأحرف الأولى على مسودة اتفاقها النهائي، وما تداوله الإعلام بشأن التوجه إلى العودة إلى القانون رقم (10) لسنة 2014 القائم على النظام الانتخابي الفردي، مع السماح لأعضاء الأحزاب بالترشح بصفتهم أفراداً، لا من خلال أحزابهم وقوائمها وبرامجها.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإن هذا التوجه يمثل انتكاسة خطيرة للعمل الحزبي وللمسار الديمقراطي، وتراجعاً عن التطور الذي أقره القانون رقم (27) لسنة 2023 باعتماد نظام مختلط أتاح مشاركة الأحزاب من خلال قوائمها، كما يعيد إنتاج تجربة الانتخاب الفردي التي أثبتت منذ 2014 ما تفضي إليه من تشتت سياسي، وضعف للكتل البرلمانية، وغياب للمساءلة على أساس البرامج، وتبدل في الولاءات والتحالفات وإضرار بالعملية الديمقراطية.
إن القول بأن الأحزاب يمكنها المشاركة عبر ترشح أعضائها كأفراد لا يحل المشكلة، بل يكشف جوهرها: السماح للحزبي كفرد وإقصاء الحزب كمؤسسة وبرنامج وهوية سياسية. وهو توجه يفصل المرشح عن مؤسسته السياسية، ويعيد الحياة العامة إلى منطق الأشخاص بدل المؤسسات.
وتزداد خطورة ذلك في بيئة سياسية منقسمة تمتلك فيها أطراف الصراع المال والنفوذ والسلاح وأدوات الضغط والتأثير؛ إذ يصبح النائب الفرد أكثر عرضة للاستقطاب والاحتواء والإغراء والتهديد، بالأدوات الناعمة والخشنة، بينما توفر المؤسسة الحزبية إطاراً أوضح للمساءلة والانضباط السياسي وتحمل المسؤولية أمام الناخبين.
كما يصعب التوفيق بين هذا المسار وبين الأساس الدستوري للمرحلة الانتقالية؛ فالمادة (4) من الإعلان الدستوري تؤكد بناء نظام سياسي ديمقراطي قائم على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة، فيما تكفل المادة (15) حرية تكوين الأحزاب. والتعددية الحزبية تفقد مضمونها إذا اقتصر دور الأحزاب على مجرد الوجود القانوني، ثم أُقصيت من أهم ساحات العمل السياسي: الانتخابات وصناعة السلطة التشريعية.
إن الديمقراطية لا تُبنى بتجميع أفراد داخل مجلس نيابي، بل عبر مؤسسات سياسية تتنافس ببرامج واضحة وتتحمل مسؤولية خياراتها أمام المواطنين. كما أن تنمية الحياة السياسية وترسيخ التحول الديمقراطي مسؤولية الدولة ومؤسساتها، وواجبها تطوير الحياة الحزبية ومأسسة العمل السياسي، لا تقييد الأحزاب أو تفريغها من مضمونها.
وعليه، فإننا نطالب بالآتي:
- النشر الفوري والكامل لاتفاق لجنة «4+4» وجميع الترتيبات والتعديلات الانتخابية المرتبطة به، بما يكفل الشفافية وحق الرأي العام والقوى السياسية في الاطلاع عليها ومناقشتها.
- رفض أي صيغة انتخابية تعيد الانفراد بالنظام الفردي أو تقصي القوائم الحزبية، باعتبار ذلك تراجعاً عن مسار مأسسة العمل السياسي وإعادة إنتاج لاختلالات التجربة السابقة.
- اعتماد نظام انتخابي يضمن تمثيلاً فاعلاً ووازناً للأحزاب بما لا يقل عن 80% من مقاعد السلطة التشريعية في مجلسي النواب والشيوخ، بما يعزز التنافس على أساس البرامج والرؤى السياسية، ويساعد على تشكيل كتل برلمانية مستقرة وواضحة.
- أن يكون المقعد المخصص للقوائم الحزبية حقاً للحزب الذي فاز به وليس حقاً شخصياً للنائب، بحيث يفقد العضو مقعده عند استقالته من الحزب أو فقد عضويته فيه، وفق الضوابط والإجراءات التي ينظمها القانون، بما يحول دون انتقال المقاعد والولاءات بعيداً عن إرادة الناخبين والبرنامج الذي صوتوا له.
إن المطلوب هو الانتقال من سياسة الأشخاص والولاءات المتحركة إلى سياسة المؤسسات والأحزاب والبرامج، ومن برلمانات الأفراد المتفرقين إلى سلطة تشريعية تقوم على كتل سياسية واضحة يمكن مساءلتها ومحاسبتها أمام الشعب.
إن إقصاء الأحزاب لا يبني ديمقراطية، وتفكيك السياسة إلى أفراد لا يبني دولة، والعودة إلى نظام أثبتت التجربة عجزه ليست إصلاحاً، بل إعادة إنتاج لأزمة سياسية دفعت ليبيا ثمنها لأكثر من عقد ولا يجب أن تستمر.
فدولة المؤسسات لا تُبنى بإقصاء المؤسسات السياسية، والديمقراطية لا تُبنى بمجلس نواب بلا أحزاب.
صدر بتاريخ
22 أغسطس 2026
الأحزاب الموقعة
حزب السلام والازدهار
الحزب المدني الديمقراطي
حزب تحالف القوى الوطنية
حزب التفاؤل
حزب ليبيا للجميع
الحزب الوطني الوسطي
حزب ليبيا الأمة-الليبو

